
6 ـ
كيف تمكنت مدينة سبتة، بمجالها الضيق الذي لا يتعدى حوالي 19 كلم مربع والمطوق جغرافياً وسياسياً، من تأمين حاجتها الحيوية من المياه بمعزل عن شبكات التزود الحضرية المغربية؟ وكيف تطور هذا التدبير من النظم التراثية في العصر الإسلامي إلى الاعتماد الكلي على التكنولوجيا في الفترة الإسبانية؟

سبتة ما قبل الاستعمار.. عبقرية “الصهاريج” والتحصين المائي في العصرين الموحدي والمريني،
كانت سبتة تُدبر مياهها كـ “قلعة صامدة”. وبسبب غياب الأنهار الدائمة، اعتمد السبتيون على “اقتصاد الندرة” عبر حلول هندسية بارعة:
• خزن الأمطار:
شكلت الصهاريج الضخمة العمود الفقري للمدينة، حيث بُنيت تحت المنازل والمساجد والأسوار لتلقي مياه الأمطار وتخزينها لسنوات الحصار.
• الآبار والعيون:
جرى استغلال العيون القليلة في جبل “موسى” (المنطقة المحيطة) وحفر الآبار داخل الأسوار، مع ابتكار عقود قانونية دقيقة لتنظيم الري واستغلال المياه لضمان العدالة المائية ومنع الهدر.

سبتة في الفترة الإسبانية.. من السدود إلى “صناعة” الماء:
تكشف الوثيقة التوجيهية للخطة الهيدرولوجية لسبتة (2022-2027)”أن المدينة انتقلت إلى مرحلة “الاستقلال المائي التقني” لمواجهة عزلتها الجغرافية عن العمق المغربي، وذلك عبر ثلاثة مسارات استراتيجية:
1. محطة التحلية (شريان الحياة): نظراً لأن الموارد الطبيعية (الوديان الموسمية والمياه الجوفية) لا توفر سوى كميات ضئيلة لا تتعدى مليون متر مكعب سنوياً، أصبحت “تحلية مياه البحر” هي الركيزة الأساسية، حيث تُنتج المحطة حالياً ما يصل إلى 30000 متر مكعب يومياً لتلبية طلب حضري سنوي قدره 8.9 مليون متر مكعب.
2. نظام السدود: تعتمد المدينة على سدي “الجحيم” (Infierno) و”الرينيغادو” (Renegado). ورغم صغر حجمهما، إلا أن دورهما حيوي في تنظيم التدفقات المطرية والعمل كخزان استراتيجي للطوارئ في هذا المجال الضيق.

3. إعادة التدوير والرقابة الرقمية: يتم حالياً تدوير حوالي 0.5 مليون متر مكعب من مياه الصرف الصحي لسقي المساحات الخضراء، مع اعتماد “خطة هيدرولوجية” (2022-2027) تستثمر أكثر من 150 مليون يورو لتجديد الشبكات ومنع التسربات، لضمان عدم ضياع أي قطرة ماء في هذا المجال المحدود.
إن قصة الماء في سبتة هي قصة صراع مع الجغرافية؛ فبينما كان إنسان العصر الوسيط يطارد قطرات المطر في صهاريجه، أصبح إنسان العصر الحديث يستخلص مياهه من البحر عبر محطات التحلية، ليظل هذا المجال الـ (19 كلم مربع) صامداً مائياً رغم انفصاله عن محيطه الجغرافي المباشر.
7 ـ
يمثل الصيد البحري أحد أقدم الأنشطة الاقتصادية في مدينة سبتة، وقد ارتبط تاريخيًا بموقعها الاستراتيجي عند مدخل البحر المتوسط وبمواردها البحرية. وتشير المصادر التاريخية إلى ازدهار الصيد ومصائد التونة واستخراج المرجان وصناعة السفن، بما جعل البحر عنصرًا أساسيًا في الحياة الاقتصادية والاجتماعية للمدينة. غير أن هذا الدور تراجع بصورة كبيرة خلال العقود الأخيرة، وأصبح الصيد البحري نشاطًا محدود الحجم مقارنة بقطاعات الخدمات والتجارة.
تاريخيا ،إذا رجعنا إلى مقال محمد الشريف “Notes sur la pêche maritime à Ceuta au Moyen-Age” ودراسة أحمد سوال الفيتوري”حرفة الصيد البحري بمدينة سبتة (ق 8هـ/ 14م)”، ندرك أن الصيد البحري مثّل ركيزة وجودية لسبتة بفضل موقعها المتميز . فقد وثّق الشريف انتشار مئات المصايد التي أمنت الغذاء وأنقذت السكان من المجاعات . ومن جهة أخرى، أبرز سوال دور “دار الصناعة” في تطوير أسطول للصيد والحرب، مبيناً كيف موّلت عائداته التحصينات الدفاعية . كما اتفقا على الشهرة العالمية لصيد المرجان وتصديره للهند وأوروبا، مما جعل سبتة تُلقب بـ “جزيرة المرجان” .

أما حاليا فتؤكد الإحصاءات الرسمية الإسبانية الصادرة عن وزارة الزراعة والثروة السمكية والأغذية (MAPA) حجم انكماش هذا القطاع. فقد بلغ عدد سفن الصيد في سبتة 8 سفن فقط سنة 2025، مقابل 10 سفن سنة 2023، أي انخفاض بنسبة 20% خلال عامين. كما تراجعت الحمولة الإجمالية GT من 66 إلى 44، بانخفاض قدره نحو 33.3%، في حين بلغت القدرة المحركة للأسطول سنة 2025 نحو 361 kW. وتمثل سفن سبتة أقل من 0.1% من إجمالي أسطول الصيد الإسباني البالغ 8324 سفينة، مما يؤكد محدودية الوزن الكمي للقطاع على المستوى الوطني.
ولا يقتصر التراجع على حجم الأسطول، بل يظهر أيضًا في المؤشرات الاقتصادية. فوفق المسح الاقتصادي للصيد البحري لعام 2023 التابع لـMAPA، بلغ الإنتاج بأسعار أساسية في الوحدات الإحصائية الخاصة بسبتة نحو 292328 يورو، بينما بلغت القيمة المضافة الإجمالية 160214 يورو. وتوضح هذه الأرقام أن النشاط لا يزال يولد قيمة ودخلًا ويوفر فرص عمل، لكنه يعمل ضمن نطاق اقتصادي صغير جدًا.

ويضاف إلى ذلك أن تراجع الأسطول يثير مشكلة أخرى تتعلق بالحفاظ على المعرفة المهنية البحرية وتجدد أجيال الصيادين. فاختفاء السفن والصيادين لا يعني فقدان نشاط اقتصادي فقط، وإنما قد يؤدي أيضًا إلى فقدان خبرات متراكمة مرتبطة بمناطق الصيد وتقنيات العمل والبيئة البحرية.
وفي هذا السياق، تمثل استراتيجية الاقتصاد الأزرق وإطار FEMPA 2021–2027 فرصة لإعادة توجيه القطاع. ولا ينبغي أن تقتصر هذه الاستراتيجية على زيادة عدد السفن، بل يمكن أن تقوم على تحديث الأسطول، وتحسين القيمة المضافة للمنتجات البحرية، وتشجيع تكوين الشباب، وربط الصيد بالسياحة البحرية والتراث الثقافي والابتكار.






