
كش بريس/التحرير ـ
لم تعد القدرة على التعامل مع المعلومة الصحية مسألة مرتبطة فقط بامتلاك المعرفة الطبية، أو معرفة أسماء الأمراض والأدوية، وإنما أصبحت جزءاً من علاقة أكثر تعقيداً بين المريض والمعلومة والمؤسسة الصحية. في هذا السياق، أنجزت دراسة علمية حديثة نسخة مغربية بالدارجة من أداة دولية لقياس «الثقافة الصحية»، بعد اختبارها على 460 بالغاً من المترددين على مراكز للرعاية الصحية الأولية بعمالة أكادير إداوتنان.
الدراسة المنشورة في مجلة Discover Public Health لا تقدم تقديراً لنسبة المغاربة الذين يتمتعون بثقافة صحية كافية، ولم تسع إلى إنتاج ترتيب اجتماعي أو جهوي في هذا المجال. هدفها الأساسي كان مختلفاً: ترجمة أداة HLS-EU-Q16 وتكييفها لغوياً وثقافياً مع السياق المغربي، ثم اختبار مدى صلاحيتها وثباتها من الناحية العلمية.
ويكتسب هذا العمل أهميته من كونه يضع بين أيدي الباحثين ومهنيي الصحة أداة موحدة يمكن أن تساعد على دراسة قدرة الأفراد على الوصول إلى المعلومات الصحية، وفهمها، وتقييمها، ثم توظيفها في اتخاذ القرارات المرتبطة بالصحة.
من معرفة المعلومة إلى القدرة على استخدامها
يتكون المقياس من 16 سؤالاً موزعة على ثلاثة مجالات أساسية: الرعاية الصحية، والوقاية من الأمراض، وتعزيز الصحة.
وبذلك فإن مفهوم الثقافة الصحية الذي تعتمده الأداة يتجاوز بكثير معرفة اسم المرض أو الدواء. فالمقصود هو قدرة الفرد على العثور على المعلومة المناسبة، وفهم مضمونها، وتقدير مدى صلاحيتها، ثم استخدامها في موقف صحي فعلي.
وتتحول إجابات المشاركين إلى مؤشر يسمح بتصنيف مستوى الثقافة الصحية ضمن ثلاث درجات: «غير كاف»، و«إشكالي»، و«كاف». ومن شأن هذا التصنيف، إذا جرى تطبيقه على عينات أوسع، أن يساعد على الكشف عن مواطن التعثر في التواصل الصحي، وتحديد الفئات التي تحتاج إلى معلومات أكثر وضوحاً وإتاحة.
عينة تكشف التنوع ولا تمثل المغرب
أجريت الدراسة بين دجنبر 2024 ويونيو 2025، وشملت 460 شخصاً بالغاً قصدوا مراكز للرعاية الصحية الأولية بأكادير إداوتنان.
وشكلت النساء 59.6 في المائة من المشاركين، بينما بلغ متوسط العمر 34.4 سنة. وكان 71.7 في المائة من أفراد العينة من الوسط الحضري، مقابل 28.3 في المائة من الوسط القروي.
وأظهرت المعطيات المتعلقة بالتعليم تفاوتاً واضحاً داخل العينة: 42.4 في المائة لم يتلقوا تعليماً نظامياً، و11.5 في المائة بلغوا المستوى الابتدائي، و10.2 في المائة المستوى الإعدادي، و20.4 في المائة المستوى الثانوي، في حين بلغت نسبة ذوي التعليم الجامعي 15.4 في المائة.
كما صنف 50.9 في المائة من المشاركين وضعهم الاجتماعي والاقتصادي ضمن المستوى المنخفض.
وتسمح هذه التركيبة باختبار الأداة في سياقات تعليمية واجتماعية مختلفة، لكنها لا تجعل العينة ممثلة للسكان المغاربة ككل. وهذه نقطة أساسية في قراءة النتائج، لأن الدراسة اختبرت صلاحية أداة القياس، ولم تنجز مسحاً وطنياً للثقافة الصحية.
لماذا اختارت الدراسة لغة الحياة اليومية؟
تكمن إحدى أكثر نقاط الدراسة إثارة للاهتمام في اختيار الدارجة المغربية لغة للنسخة الجديدة من المقياس.
فاللغة التي تطرح بها الأسئلة قد تؤثر في طبيعة الإجابة نفسها. فإذا كانت الصياغة بعيدة عن اللغة التي يستخدمها المريض في حياته اليومية، يصبح من الصعب الفصل بين قدرته على فهم المعلومة الصحية وقدرته على التعامل مع لغة الاختبار.
ولهذا خضعت الأداة لسلسلة من المراحل شملت الترجمة والترجمة العكسية ومراجعة الصياغة، قبل اختبارها مع المرضى.
وقبل الانتقال إلى العينة الأساسية، جرى اختبار النسخة المغربية على عشرة مرضى تراوحت أعمارهم بين 43 و80 سنة، بهدف التأكد من وضوح الأسئلة وملاءمة مفرداتها. ولم تسجل هذه المرحلة صعوبات كبيرة في الفهم تستدعي إدخال تغييرات جوهرية على الأداة.
عندما تخضع الدارجة للاختبار الإحصائي
لم تكتف الدراسة بالتأكد من أن الأسئلة مفهومة لغوياً، وإنما أخضعت النسخة المغربية لسلسلة من الاختبارات الإحصائية للتحقق من مدى ثباتها واتساقها.
وأظهر المقياس اتساقاً داخلياً جيداً، إذ بلغ معامل «كرونباخ ألفا» 0.869، فيما تراوحت نتائج الثبات عند إعادة الاختبار بين 0.925 و0.978.
كما دعمت التحليلات الإحصائية البنية الثلاثية التي يقوم عليها المقياس، والمتعلقة بالرعاية الصحية والوقاية من الأمراض وتعزيز الصحة.
وتعني هذه النتائج، في حدود العينة التي اختبرت فيها الأداة، أن النسخة المغربية تمتلك مؤشرات علمية مشجعة تسمح باستخدامها في البحوث المتعلقة بالثقافة الصحية.
الفوارق الاجتماعية لا تختصرها المدرسة والجغرافيا
رصدت الدراسة فروقاً ذات دلالة إحصائية في درجات الثقافة الصحية ارتبطت بالجنس والمستوى الدراسي والأصل الجغرافي للمشاركين، غير أن تفسير هذه الفوارق يحتاج إلى قدر من التحفظ.
فحجم الفارق المرتبط بالجنس كان متوسطاً من الناحية الإحصائية، بينما ظل تأثير الأصل الجغرافي والتحصيل الدراسي محدوداً نسبياً. كما أن الدراسة لم تختبر بصورة كاملة ما إذا كان المقياس يؤدي الوظيفة نفسها لدى مختلف الفئات الاجتماعية.
ومن ثم، لا تسمح النتائج باختزال الثقافة الصحية في عدد سنوات الدراسة، ولا باستنتاج أن الانتماء إلى فئة اجتماعية أو جغرافية معينة يعني بالضرورة ضعف القدرة على فهم المعلومات الطبية.
فالوصول إلى المعلومة الصحية يتقاطع مع عوامل أخرى، من بينها سهولة الوصول إلى الخدمات، والقدرة على التعامل مع النظام الصحي، ونوعية التواصل بين الطبيب والمريض، وطريقة تقديم المعلومات، إضافة إلى الموارد الاجتماعية والمعرفية التي يمتلكها الفرد.
حين تصبح طريقة تقديم المعلومة جزءاً من المشكلة
تفتح الدراسة الباب أمام إعادة النظر في الثقافة الصحية باعتبارها علاقة لا تتوقف عند المريض وحده.
فتعليمات استعمال الدواء، ونتائج التحاليل، ومواعيد المتابعة، وشروط إجراء الفحوص، ورسائل الوقاية، والمعلومات الطبية المنتشرة عبر المنصات الرقمية، كلها تفترض قدرة معينة على القراءة والفهم والتقييم واتخاذ القرار.
لكن السؤال لا يتعلق دائماً بما إذا كان المريض قادراً على فهم المعلومة، وإنما أيضاً بما إذا كانت المعلومة نفسها مصاغة بطريقة تسمح بفهمها.
ومن هنا يمكن للمقياس، في حال توسيع استخدامه، أن يصبح أداة لرصد جوانب من التفاوت في التواصل الصحي، وليس مجرد وسيلة لتصنيف المرضى وفق قدرتهم الفردية على استيعاب المعلومات.
من أكادير إلى اختبار وطني محتمل
توفر الدراسة خطوة أولى نحو امتلاك أداة مغربية مختصرة وموحدة يمكن توظيفها في أبحاث لاحقة حول الثقافة الصحية، وفي تقييم برامج التوعية والتواصل، ودراسة الفوارق الاجتماعية والمجالية في التعامل مع المعلومات الصحية.
لكنها لا تقدم، في المقابل، مؤشراً وطنياً لمستوى الثقافة الصحية في المغرب. فالعينة اقتصرت على مراجعي مراكز للرعاية الصحية الأولية في عمالة أكادير إداوتنان، كما اعتمدت على إجابات المشاركين أنفسهم، ولم تشمل مختلف الجهات واللهجات والبيئات الاجتماعية التي يتكون منها المجتمع المغربي.
ولهذا تظل الحاجة قائمة إلى اختبارات أوسع تشمل مناطق وفئات سكانية متعددة، قبل تعميم النتائج على المستوى الوطني.
ومع ذلك، تكمن أهمية التجربة الحالية في أنها تضع سؤالاً بسيطاً في قلب النقاش الصحي، لكنه شديد التعقيد في نتائجه: حين تصل المعلومة الطبية إلى المريض، هل تصل إليه باللغة التي يستطيع أن يفهم بها معناها، ويميز قيمتها، ويتصرف على أساسها؟
فالرهان في النهاية لا يتعلق فقط بإنتاج المعلومة الصحية، وإنما بالمسافة التي تفصل بين إنتاجها وقدرة الإنسان على تحويلها إلى معرفة قابلة للاستعمال.





