
نعم أبي، أنت أجمل أب عرفته. فعلا أب… كل ما كنت تشعر به اتجاهي هو بفعل فائض الرحمة والحنان الذي يزخر به قلبك، أعرف ذلك… وحتى أختصر عليك المسافة بيننا، وأجيب نفسي، تلقائيا، عن سؤال طالما طرحته على نفسي. لماذا يختلف جِيلانا إلى هذا الحد الملغَم؟
أنتم جيل يقطُر طيبوبة. لا أريد أن أقول سذاجةً. طيوبة بيضاء كالحليب تغلف أرواحكم، أنتم روحانيون حتى النخاع، غيبيون، غائبون أكثر من اللازم، تعيشون بعواطفكم وأمانيكم الوديعة، ترون الأشياء، كل الأشياء بالمقلوب(مقلوبة).
طبعا، من حقكم أن تعتبروا جيلنا عاقا، لا همَّ له سوى التفكير في إعادة الأشياء المقلوبة إلى نصابها المنطقي، وما أكثرها، لقد تركتم لنا عالما مقلوبا على رأسه… أعرف أنك لا تحب المنطق، وقد يكون هذا هو لب الاختلاف بيننا. أحبك أيها الأب الطيب. وأدّعي بأنني أفهمك جيدا.
عندما استرسل الإبن، يشرح لأبيه، بحماس كبير، ميكانيزمات الصراع الطبقي وعلاقته بالقضاء والقدر، كان الأب ساهيا، ينقر بأنامله على الطاولة ويترنّم ( قل للمليحة في الخمار الأسود، ماذا فعلت بعابد متزهد؟ ).
— هل تسمعني أبي؟ هذا الشاعر قلب البيت الشعري رأسا على عقب، كما تقولون، كان عليه أن يقول مباشرةً (قل للمليحة في الخمار الأسود، ألاَ تزيحين الخمارَ الأسود ؟).
ومع ذلك ورغم ذلك، لا أفهم كيف خرج من صلبنا، نحن أيضا، جيل أفظع منا؟ جيل ملتبسٌ، لا يقلب الأشياء ولا يعيدها إلى نصابها، بل يكسّرها، يعيش بغرائز جسده لا بتداعيات روحه ولا بمنطق عقله.
انظر إلى أغانيهم وأغانيكم وأغانينا، تفهم الفرق. انظر إلى قصص حُبّهم وحبّكم وحبّنا، تفهم الفرق. انظر إلى أحلامهم وطموحاتهم… لا يؤمنون إلا بالجسد. لا شك أنك تعتبرهم مسوخا، كما تحب أن تقول، ولكنك قد فتحت على نفسك سيلا من الأسئلة العصية، قد تكون محرجة لأَنَفتك، من قبيل، هل كنتُ بالنسبة لك، قبل أن تلدني، فكرةً أم مجرد إفراز غريزي؟ أم أن الأمر مجرد صُدفة محضة؟
وهل من المفروض أن أطمئن عليك وعلى نفسي وعلى أولادي؟ رغم دمالة الحزن المتقيّحة في دماغي، والتي لا أعرف متى تنفجر وأنفجر معها.
تاريخك المجيد الذي لا تملّ من تكراره على مسمعي، لا يعنيني، ولا يعني التاريخ نفسه. بل لا تعنيني بتاتا حكمتكم البالية ( من لا تاريخ له لا وجود له )، أبطالكم أشباح وتماثيل من الشّمْع لا تثير عطفي ولا عاطفتي. نحن جيل بدون آباء ولا أبناء، غريب أمرنا، في وطن نتملقه وننافقه ونحبه في نفس الوقت.
أحبك رغم أنك هكذا، روح طيبة. لا تفهمني. وأعتذر إن شبّهتك بالروح، بشيء مبهم، لا دلالة له ولا معنى، رغم كونك قريب المعنى والدلالة.
جيلي كله لا يفهم حقيقة الجدية التي تتحلون بها ولا الحقائق التي تسلمون بها…
ألا يمكن أن تتفق معي بأن ما تسمونه تراثا ليس إلا ركاما من الترهات الساذجة… أنتم فطريون تماما.
لا يهمني سبب أو أسباب ذلك، لا اريدك أن تهرب لي من هذه النافذة، حتى لا ترهقني كما سبق بنظرية المؤامرة وتداعياتها.
نحن جيل يتبنانا جيل خرج من أرحامنا، إن شئت، جيل إلكتروني، عقلية وعواطف وقيم تكنولوجية، لا يمكنني أن أشرح لك الفرق… بين طفل ولد ونشأ في بيئة لا تعرف المذياع ولا الهاتف، وطفل ازداد وفي يده هاتف ذكي وأمام عينيه برامج تكنولوجية فائقة التطور والدقة.
ماضيك الجميل هو عزاؤك الوحيد، إذ لا شيء لديك لتعتز به سواه، أما أنا فأعتبره، مع احترامي لشعورك، مجرد لحظة تاريخية كان فيها الشيطان الأوروبي نائما فنومكم معه، لكن عندما استيقظ، لم تكونوا هناك، لعنتم الشيطان ورجعتم إلى رحابة نومكم وكوابيسكم.
هل هذه هي الحقيقة ام أنني أحاول التزوير مثل مؤرخيكم.
هل تفهمني، يا أجمل أب؟





