لحظة تفكير

فريدة بوفتاس: سيدة الزمن

التقينا أنا وهي في إحدى التجمعات ، كانت تضع على وجهها قناعا مخافة الإصابة بوباء كوفيد 19 ، سيدة في عقدها السادس، أنيقة المظهر ، جميلة المحيا ، بليغة اللسان ، نبيهة الفكر . تحدثنا عن أشياء وأشياء ، حصل بيننا تقارب وجداني وفكري ، فكان تواصلنا إنسانيا بامتياز ، وقد أخد مجراه الطبيعي بدون أية عوائق مقيتة ، كان من الممكن أن تحد من سيل جارف من الاحترام المتبادل .
كان اللقاء ثقافيا حقوقيا ، لامس قضايا كثيرة عالقة بين احتباس مجتمعي _ثقافي ، قانوني ، وٱفاق لم تنجح في أن تكون واعدة بشكل يمنح الشعور أننا قطعنا فعليا مع ماهو مسيئ للانسان، عموما وللمرأة على الخصوص .
أثير النقاش حول زواج القاصرات الذي يعتبر مهينا للطفولة وللمرأة ، ومغتصبا لحقوق كثيرة ، تحرم منها كل من وقع عليهن هذا الظلم والقهر .
تحولت إلي جليستي ، وأسرت إلي في أذني :
أنا الاخرى كنت ضحية هذا الجريمة لولا الصدف ، التي أحيانا قد تكون سيئة و مريرة ، لكنها قد تحمل معها رغم ذلك ما ينقد المرء من الأهوال والمصائب .
أصغيت إليها مليا ، وأنا كلي شوق إلى معرفة ما تبغيه من قولها هذا ، كنت مشدودة الى الاستماع اليها ، وهي تحكي لي عن أبيها الذي رغم كل شيئ ظلت تحبه ، وتكن له كل الاحترام والتقدير ، وتجد له كل المبررات والتفسيرات العقلانية الرصينة ، هي المثقفة المشبعة بثقافة اليونان وبحقوق الانسان .
كان قرار أبيها الذي لا يناقش ولا رجعة فيه ، هو أن تتزوج من أحد أقربائه ، وهي لم تزل طفلة ، في مرحلة التعليم الاعدادي ، لم يتح لها فرصة الاعتراض على ما قد قرره ، لكنها كانت جد مدركة لأهمية التعلم والتعليم ، ومولعة بالمعرفة والنيل من بحورها ، لذا قررت أن تطلب من جارة لهما ، والتي كان لها حضور طيب لدى الأسرة ، ولدى السيد الوالد، التدخل لديه ، بغرض تأجيل ذلك إلى حين نيلها شهادة الباكالوريا ، فكان لها ما أرادت، حيث اقتصر الأمر على قراءة الفاتحة ، واحتفظت هي بأمل النجاة في القادم من الأيام .
وحدث أن الشاب ( الخطيب ) كان مجبرا أن يدرس بعيدا عن المدينة التي تقطنها ، وهكذا لم يكن من الممكن أن تلاقيه، طبعا بمعية أهلها ، لكن ، شعرت بأنها استعادت بعضا من حريتها ، ولو وهميا ، وربما بعث هذا لديها بعضا من الأمل في الخلاص يوما ما .
إلى أن كان الحدث المؤلم الذي قلب حياتها رأسا على عقب ، وغير مجرى وجودها إلى الأبد .
لقد فقدت أمها مباشرة بعد حصولها على شهادة الباكالوريا ، اأي موعد إعلان زواجها المرتب من طرف أبيها ، لكن ، غياب الأم المفاجئ ، جعل الشابة اليافعة تستشعر المسؤولية التي أصبحت ملقاة على عاتقها ، وهي العناية بإخوتها الصغار والبالغ عددهم /ن سبعة ، مسؤولية لا تقدر على حملها حتى الجبال، وحملتها هي بكل حب ونجاح بعد أن أقنعت والدها أنها لن تغادر البيت إلى أي مكان ، لأنها ستظل في خدمة إخوتها ، وستتابع دراستها الجامعية أيضا .
لم يكن أمام الأب المسكين إلا أن يدعن لرغبتها التي أملتها الحاجة والظروف ، وتعقب مبتسمة ، وهي تنظر إلي :
أتعلمين أنه في بعض الأحيان ، في غمرة المشاكل والأحزان، نعيش أحداثا أخرى تحمل إلينا ما يسعدنا ولو فيما بعد ، يالها من مفارقة!

موت الأم القاتل وغير المرغوب فيه ، هو ما خلصها من زواج كانت ستكون فيه ضحية ثقافة محافظة لا ترعى للفتاة حقا من حقوقها ، أي حرية الاختيار ، والذي كتب لها أن تحققه وهي طالبة جامعية، حين التقت بشريك دربها الذي أحبته بعمق وإخلاص، وبادلها هو أيضا نفس الحب ونفس الاخلاص .
لكن ، مرة أخرى يكون لها موعد مع الموت الذي سيقسو عليها بدون رحمة ، ويخطف منها شريك حياتها وهما في عز الفرح السعادة،
لقد كان رائعا رحمة الله عليه ، هكذا تحدثت عنه ، ليترك وراءه أبناء لا زالوا في حاجة إلى رعاية كاملة ، فقد كان سن أصغرهم سنة أما أكبرهم فلم يتجاوز العاشرة من عمره .

ٱه ، من شجاعتك امرأة رائعة أنت !
تبتسم وتخبرني بنوع من الهزل الأسود :
لقد كنت قد أخدت في السابق تدريبا مع إخوتي ، ألم أقل لك !
نعم ، لقد أخبرتني بذلك سيدة الزمن والمحن ، ونظرت إليها ، وأنا أبحث عن كلمات فلم أجدها ، لقد خانتني كلماتي،مثلما خانها هي الزمن .
اكتفيت بوضع قبلة على وجنتها الدافئة ، وابتسمنا ونحن ننظر للحضور متابعتين النقاش المفتوح على الهواء .
16/10/2022

‏مقالات ذات صلة

Back to top button