
كش بريس/خاص ـ
أكد محمد بنعليلو، رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها، أن العالم يشهد اليوم تحولا عميقا في النظر إلى ظاهرة الفساد، لم يعد معه هذا الأخير يُختزل في كونه مجرد سوء تدبير أو انحراف في استعمال السلطة، بل أصبح يُنظر إليه باعتباره أحد أخطر العوامل التي تقوض حقوق الإنسان وتهدد أسس العدالة والمساواة داخل المجتمعات.
وجاءت تصريحات بنعليلو خلال مشاركته في ندوة دولية حول موضوع “حماية حقوق الإنسان من خلال الوقاية من الفساد”، احتضنتها مدينة جنيف على هامش أشغال الدورة الثانية والستين لمجلس حقوق الإنسان، حيث دعا إلى إعادة بناء العلاقة بين منظومتي النزاهة وحقوق الإنسان على أساس تكاملي يجعل الوقاية من الفساد مدخلا أساسيا لحماية الحقوق والحريات.
وأوضح رئيس الهيئة أن التطورات التي عرفها القانون الدولي خلال العقود الأخيرة، إلى جانب التجارب المقارنة والآثار الاجتماعية والاقتصادية المتراكمة للفساد، دفعت نحو مراجعة التصورات التقليدية التي كانت تنظر إلى الفساد باعتباره مجرد خلل إداري أو مالي. فالتجربة الدولية أظهرت أن الفساد لا يبدد الموارد العمومية فقط، بل يحرم ملايين الأفراد من حقوقهم الأساسية في التعليم والصحة والعدالة والحماية الاجتماعية، ويعمق الفوارق الاجتماعية ويقوض الثقة في المؤسسات.
وأشار إلى أن النقاش الدولي لم يعد يركز فقط على الأموال المختلسة أو الخسائر الاقتصادية الناتجة عن الفساد، بل أصبح ينظر إلى المتضررين من هذه الممارسات باعتبارهم ضحايا حقيقيين انتُهكت حقوقهم بشكل مباشر أو غير مباشر. ومن هذا المنطلق، برزت مقاربات جديدة تربط بين الفساد والتمييز والإقصاء، خاصة ما يتعلق بالفساد القائم على النوع الاجتماعي الذي يشكل عائقا إضافيا أمام تحقيق المساواة والإنصاف ويضاعف هشاشة النساء والفتيات داخل عدد من المجتمعات.
وأكد بنعليلو أن التحدي المطروح اليوم لم يعد مقتصرا على البحث عن آليات لمحاربة الفساد، بل أصبح يتعلق بكيفية حماية حقوق الإنسان عبر سياسات وقائية فعالة، تضمن عدم تحول الفساد إلى عائق بنيوي أمام التمتع بالحقوق الأساسية. كما شدد على ضرورة الانتباه إلى أن بعض تدابير مكافحة الفساد نفسها ينبغي أن تظل منسجمة مع المعايير الحقوقية، حتى لا تتحول إلى مصدر لانتهاك الحقوق والحريات التي يفترض أن تحميها.
وفي هذا السياق، اعتبر أن التزامات الدول في مجال حقوق الإنسان لا تقتصر على احترام الحقوق وعدم المساس بها، وإنما تمتد إلى اتخاذ التدابير الاستباقية الكفيلة بحمايتها من مختلف المخاطر البنيوية، وفي مقدمتها الفساد وضعف النزاهة وسوء الحكامة. ومن ثم، فإن الوقاية من الفساد تصبح جزءا من الواجب الإيجابي الملقى على عاتق الدول لضمان الحماية الفعلية للحقوق، وليس مجرد خيار سياسي أو إداري.
كما أبرز أن هذا التصور يفرض تعزيز حماية الفضاء المدني، وضمان بيئة آمنة للمبلغين عن الفساد، مع الاعتراف المتزايد بدورهم كمدافعين عن حقوق الإنسان، بالنظر إلى مساهمتهم في كشف الممارسات التي تهدد المصلحة العامة وتقوض مبادئ الشفافية والمساءلة.
ودعا رئيس الهيئة الوطنية للنزاهة إلى تجاوز المقاربة التقليدية القائمة على مفهوم “مكافحة الفساد”، والانتقال نحو مفهوم أكثر شمولية ونضجا يتمثل في “النزاهة المؤسساتية”. فالمؤسسة النزيهة، بحسب تصوره، ليست فقط تلك التي تخلو من مظاهر الفساد، وإنما هي المؤسسة القادرة على ضمان المساواة بين المواطنين، وتأمين الولوج العادل إلى الخدمات والفرص، وترسيخ الثقة في القانون والمؤسسات.
وفي قراءته للتطورات التي تشهدها المنظومة الدولية، أكد بنعليلو أن القرارات الصادرة عن مجلس حقوق الإنسان، إلى جانب الدينامية التي تعرفها اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، تعكس الحاجة الملحة إلى بناء جسور أوثق بين مختلف المسارات الأممية المعنية بحقوق الإنسان والنزاهة والحكامة. واعتبر أن الفصل بين هاتين المنظومتين لم يعد ممكنا في ظل الترابط المتزايد بينهما على مستوى المبادئ والالتزامات القانونية.
وشدد على أن التزامات الدول المنصوص عليها في اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد لا يمكن التعامل معها بمعزل عن التزاماتها الأساسية في مجال حقوق الإنسان، لأن كلا المنظومتين تنبعان من فلسفة مشتركة قوامها حماية الإنسان وصون كرامته وضمان المساواة أمام القانون.
ويعكس هذا الطرح اتجاها دوليا متناميا يعتبر أن المعركة ضد الفساد لم تعد مجرد معركة من أجل حماية المال العام، بل أصبحت معركة من أجل حماية الإنسان نفسه. فحين يتفشى الفساد تتراجع فرص العدالة وتتآكل الثقة في المؤسسات وتتسع دوائر الهشاشة والإقصاء، وحين تنتصر النزاهة تتعزز الحقوق وتترسخ دولة القانون وتُصان الكرامة الإنسانية. ومن هنا، لم يعد الربط بين حقوق الإنسان والوقاية من الفساد خيارا نظريا أو خطابيا، بل أصبح أحد الشروط الأساسية لبناء مؤسسات قوية ومجتمعات أكثر عدالة وإنصافا.

ـ الصورة : الموقع الرسمي لهيئة النزاهة والوقاية من الرشوة ـ





