‏آخر المستجداتلحظة تفكير

د حسن علي محمد*: مغامرة شحرور ..أهلية الاجتهاد ليست لكل أحد ..

ـ لكن حرية التفكير مباحة للجميع ..

محمد شحرور امتلك الشجاعة ليفكر ويسأل الأسئلة الصعبة والمهمة، وهذا مطلوب بحد ذاته .!

لكن عندما أراد أن يضع قواعد بديلة، خانته الأدوات المعرفية.

بعد قراءة وفحص لمشروعه الذي اشتغرق وقتا ثمينا وجهدا في تتبع فيديوهات الرجل ،أستطيع القول إن هذا المشروع الشحروري مغامرة فكرية مثيرة ، كشفت عيوب الفكر التقليدي،

لخص محمد شحرور مشروعه في كتابه التأسيسي( الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة)

المشروع ، يقوم على أربع ركائز (معرفية) ولغوية محددة.

الركيزة الأولى: التفكيك اللغوي ونفي الترادف :

هذا هو الحجر الأساس في مشروعه.

يرى شحرور أن اللسان العربي المعجز لا يمكن أن يحتوي على كلمتين تدلان على نفس المعنى تماماً (لا يوجد ترادف). بناءً على ذلك، قام بإعادة تعريف المصطلحات القرآنية بشكل مغاير تماماً لما استقر عليه الفقه واللغة، من ذلك مثلا :

•التفريق بين الكتاب والقرآن

الكتاب: هو المجموع الكامل الموحى به إلى محمد ﷺ (النسخة الخام الإلهية)

القرآن: جزء مخصوص من الكتاب، وهو المتعلق بالنبؤة والقوانين الكونية والغيبية وليس التشريع

•التفريق بين الرسول والنبي:

النبي: متصل بالمعرفة والعلم والكونيات (القرآن) وطاعته هنا طاعة معرفية تصديقية.

الرسول: متصل بالتشريع والأحكام والأخلاق (الرسالة)وطاعته هنا طاعة سلوكية، افعل ولا تفعل اعتمد شحرور هنا على نظرية اللغوي ابن فارس في (مقاييس اللغة) بشكل مجتزأ، وسحبها لتوائم النظرية البنيوية الحديثة. المشكلة أن نفي الترادف المطلق جعله يخترع تمايزات لغوية تعسفية لم تقل بها العرب، مما أدى إلى تشتيت المعاني بدلاً من توضيحها.

الركيزة الثانية: نظرية الحدود (التشريع المرن):

أراد شحرور حل معضلة ثبات النص وحركة الواقع، فابتكر ما يسمى نظرية الحدود، ويرى فيها أن الأحكام الإلهية التشريعية ليست نقاطاً ثابتة جامدة، بل هي مساحات ومجالات حددها الله للبشر، وللاختيار الإنساني الحر أن يتحرك داخلها صعوداً وهبوطاً حسب تطور العصر.

وتنقسم الحدود عنده إلى عدة أشكال:

1.حد أدنى لا يجوز الهبوط عنه: مثل عقوبات معينة أو حقوق أساسية.

2.حد أعلى لا يجوز تجاوزه: مثل حد السرقة أو عقوبة القتل.

3.حد أدنى وأعلى معاً: مثل المواريث؛ حيث يرى أن للرجل مثل حظ الأنثيين هو الحد الأعلى للمرأة والحد الأدنى للرجل، ويمكن للمجتمع التدخل لتعديل النسب بينهما دون الخروج عن هذه الحدود.

هذه الركيزة هي الأكثر جاذبية في مشروعه لأنها تمنح الفقه مرونة فائقة. لكن يعيبها علمياً التناقض والتطبيق الانتقائي؛ حيث عجز شحرور عن تطبيق نظرية الحدود على كل الآيات التشريعية واضطر لتعطيلها أو التلاعب بآلياتها في مواضع عدة لتوافق النتيجة التي يريد الوصول إليها مسبقاً.

الركيزة الثالثة: تاريخية الفهم (معاصرة النص):

يرى شحرور أن القرآن نزل صالحاً لكل زمان ومكان، ولكي تتحقق هذه القاعدة، يجب ألّا يكون الفهم القديم (فهم الصحابة والتابعين والفقهاء الأربعة) ملزماً لنا. فكل جيل يجب أن يقرأ القرآن بوعيه وأدواته العلمية الحالية.

ثبات النص وحركة المحتوى: النص اللفظي ثابت، لكن محتواه المعرفي والدلالي يتحرك ويتسع بتقدم العلوم.

إلغاء الموروث التفسيري: يعتبر التفاسير القديمة (كابن جرير الطبري أو ابن كثير) تفاسير تاريخية تمثل وعي القرن الهجري الثالث أو الرابع، ولا علاقة لها بوعي الإنسان المعاصر.

الفكرة تبدو تجديدية مشروعة، إلا أن إشكالية شحرور تكمن في قَطْع الصلة تماماً بالسياق التاريخي لنزول النص (أسباب النزول). فالنص حتماً خاطب بيئة أولى بلسانها ومفاهيمها، وإلغاء هذا السياق تماماً يحول النص إلى عجينة يشكلها القارئ المعاصر كيفما يشاء.

الركيزة الرابعة: تحجيم السنة النبوية وعزلها عن التشريع:

لكي يستقيم مشروع شحرور في تقديم قراءة مرنة وعصرية، كان لا بد له من إزاحة “السنة النبوية” بصفتها المقيّد الشارح والتطبيقي للقرآن.

السنة هي “اجتهاد مرحلي”: يرى شحرور أن الرسول ﷺ اجتهد لعصره وبيئته (القرن السابع الميلادي) في تطبيق القرآن، وتطبيقاته ليست تشريعاً عابراً للقارات والأزمان.

القرآن يكفي نفسه: التشريع القرآني كامل وحركي، وإقحام السنة كشريعة دائمة هو ما ضيّق على المسلمين حياتهم وحوّل العادات العربية في القرن السابع إلى دين يتعبد به الناس اليوم.

هذه الركيزة أوقعت شحرور في معضلة عملية كبرى؛ فالسنة ليست مجرد نصوص مروية، بل هي التطبيق العملي المتواتر للدين (كالصلوات الخمس بصفاتها، ومناسك الحج، وتفاصيل المعاملات). بعزل السنة، تحولت قراءته إلى تنظير تجريدي يصعب ترجمته إلى واقع تعبدي أو قانوني متماسك.

مشروع محمد شحرور بُني على هندسة عكسية؛

الرجل حدد أولاً الهدف (وهو إيجاد إسلام حداثي، متوافق مع قيم الغرب الليبرالي، وحقوق الإنسان المعاصرة، والنظريات العلمية)، ثم عاد إلى الخلف وقام بنحت ركائز لغوية وتشريعية (نفي الترادف، نظرية الحدود) لتخدم هذا الهدف وتبرره.

هذه الركائز كانت قوية كأداة “هدم” للمنظومة التقليدية ، لكنها كأداة بناء كانت هشة، وافتقرت إلى الاتساق والعمق المنهجي، مما جعل مشروعه ينهار عند أول اختبار تطبيقي صارم أمام مجامع اللغة والفقه وعلوم اللسانيات الحديثة.

وضع منظومة بديلة للتعامل مع النص القرآني، هدفها هدم القواعد الأصولية القديمة واستبدالها بقواعد مستوحاة من اللسانيات الحديثة والعلوم الطبيعية.

الرجل بنى مشروعه على نفي الترادف والعودة إلى الجذور اللغوية،

كان يقوم بـتوليد معانٍ جديدة تماماً للكلمات لم تعرفها العرب، ولم يقل بها أحد من أئمة اللغة.

مثال: تفسيره لكمة القرآن والكتاب والفرقان كأشياء منفصلة تماماً، أو إعادة تعريفه لمفهوم الملائكة بأنها قوى الطبيعة، والجن بأنهم الإنس المستترون أو الكائنات غير المتحضرة.

هذا التلاعب بالدلالات اعتبره النقاد ليّاً لعنق النص ليوافق أفكاراً مسبقة في عقله.

علم أصول الفقه يضبط فهم النصوص (العام والخاص، المطلق والمقيد، الناسخ والمنسوخ، دلالات الأمر والنهي). شحرور رفض هذا العلم كلياً تقريباً واعتبره نتاجاً للفقه الأبوي والذكوني”.

غياب هذه الأداة عن مشروعه ، جعله يقع في تناقضات داخلية صدمت الدارسين.

عندما ألغى القواعد الأصولية المستقرة، اضطر لابتكار “منظومة بديلة” (مثل نظرية الحدود) لكنه لم يستطع ضبطها، فجاءت تطبيقاته مجتزأة وتفتقر للاتساق المنهجي.

بصفته مهندساً، حاول شحرور التعامل مع القرآن الكريم وكأنه “معادلة رياضية” أو كتالوج هندسي جامد وصارم، غافلاً عن طبيعة اللغة العربية اللمسية والبلاغية والمجازية.

بينما اللغة العربية حمالة أوجه، والقرآن نزل بلسان عربي مبين يراعي الإيجاز، والإطناب، والمجاز، والاستعارة. محاولة “هندسة” النص القرآني جعلت تفسيراته جافة، وفي أحيان كثيرة، بعيدة عن الفطرة اللغوية التي نزل بها النص.

الاجتهاد يقتضي فهم بيئة النص وكيف طُبّق عملياً. لكن شحرور عزل القرآن عن سياقه التاريخي (أسباب النزول) وعن السنة النبوية العملية والتفسيرية.

عندما تجتهد في نص معزول عن واقعه التاريخي، فإنك تقرأه بوعيك أنت فقط،

بذلك تحوّل القرآن من رسالة إلهية هادية لكل العصور إلى مرآة تعكس أفكار محمد شحرور المعاصرة.

هذا ما جعل أطروحاته حول الإرث، والوصية، والعلاقات الجنسية (مثل مفهوم ملك اليمين) تبدو غريبة جداً وغير قابلة للتطبيق التشريعي المنضبط.

دخول شحرور المجال دون خبرة بعلم الاصول، تسبب في إشكالات كبرى رسخت وهم الفهم لديه ، منها :

1- الوقوع في وهم اليقين الرياضي في النص الإنساني :

المهندس أو الطبيب يتعامل مع معادلات وقوانين حتمية (2 =1 + 1) عندما دخل هؤلاء مجال التفسير، ظنوا أن الكلمات القرآنية يمكن تفكيكها وتركيبها كقطع الميكانو أو المعادلات الرياضية.

غاب عن شحرور أن اللغة كائن حي، يتأثر بالسياق، والمجاز، وأساليب العرب في الخطاب. هذا التعامل الجاف أنتج تفسيرات حرفية هندسية مشوهة، توهم صاحبها أنه وصل إلى الحقيقة المطلقة بينما هو يسبح في جزر من الاستنتاجات الخاطئة.

2- السقوط في “السطحية اللغوية” مع توهم العمق:

لأن شحرور لا يملك أصول وفقه اللغة، ولم يدع يوما أنه يعرفها ، اعتمد على التفسير السطحي للكلمات بناءً على قواميس حديثة أو معانٍ معاصرة، معتقدا أنه يكتشف أسراراً عجز عنها الأولون.

هذا ، أوقع شجرور في (وهم الفهم)، لأن التفسير الجديد يتماشى مع هواه أو مع ثقافته المعاصرة دون أي عناء معرفي. بينما عالم الدين المتمرس — رغم كل الانتقادات التي قد توجّه للفكر التقليدي — يمتلك شبكة أمان منهجية؛ إذا غيّر حكماً في باب، يعلم كيف سيؤثر هذا التغيير على بقية أبواب الفقه والتشريع (المنظومة متسقة).

أما الدخلاء، فيجتهدون مجتزئين. ويغيرون حكماً في المواريث أو العلاقات الاجتماعية فيبدو التغيير براقاً ومعاصراً، لكنهم لا يدركون أن هذا التغيير يهدم منظومة الأسرة أو الحقوق في أبواب أخرى لم يلتفتوا إليها أصلاً.

مشكلة هؤلاء الباحثين ليست في نيتهم، بل في أنهم قدموا للجمهور تبسيطاً مخلاً ومخادعاً للقضايا المعقدة. هذا التبسيط يغري العقل الكسول الذي يبحث عن إجابات سريعة تبرر له نمط حياته الحديث، مما رسخ وهم الفهم وجعل من الاستنتاجات الخاطئة ديناً جديداً يُدافع عنه بحماس، دون وعي بحجم الخلل المنهجي الكامن وراءه.

أصداء وتعليقات ومعارضات مشروع شحرور :

أثارت أطروحات محمد شحرور منذ صدور كتابه الأول “الكتاب والقرآن” عام 1990 موجة عارمة من الردود العلمية. ولم تقتصر هذه الردود على التيارات الإسلامية التقليدية، بل شارك فيها لغويون، ومفكرون حداثيون، ومناهج تفكيك علمانية رأت في أسلوبه تلفيقاً معرفياً.

تميزت هذه الردود بالانتقال من الرفض العاطفي إلى النقد البنيوي والمنهجي لركائز مشروعه. فيما يلي رصد لأهم المؤلفات التي نقدت شحرور وأبرز مقولاتها:

كان من أبرزها وأوجعها حيث نقد الدكتور نصر أبو زيد مشروع شحرور بأدوات شحرور ..

نقد أبوزيد أعتبره نقدا من داخل تيار “القراءة الحداثية المعاصرة” وأظن أن شهادة أبو زيد من أقوى الضربات لمشروع شحرور لأنها جاءت من شخص يشارك شحرور نفس الهدف (تجديد الفكر الإسلامي وعصرنته).

اعتبر أبو زيد أن شحرور لا يملك منهجاً حقيقياً في علم الهرمنيوطيقا (التأويل) أو اللسانيات، ووصف أطروحاته بأنها “قراءة تلفيقية اعتسافية تبحث عن إرضاء العصر بالتحايل على الألفاظ”.

يرى أبو زيد أن شحرور وقع في ذات الفخ الذي وقع فيه السلفيون؛ حيث تعامل مع النص كـشفرات معزولة، ولم يتعامل معه كـنص تاريخي ثقافي محكوم بسياق نزوله.

ثم نأتي إلى بقية نقاد مشروع شحرور …

– د. صهيب محمود السقار. تناول في كتابه : “قراءة معاصرة في القراءة المعاصرة”

“نظرية الحدود” التي افتخر بها شحرور، وأثبت بالنماذج القرآنية …

أن شحرور يفشل في اطراد نظريته (أي تطبيقها بانتظام) على آيات التشريع،

وأنه يغير القواعد الرياضية للحدود من آية إلى أخرى بشكل نفعي لكي يخرج في النهاية بالفتوى أو الرأي التنويري الذي يرغب فيه مسبقاً.

كما ناقش الأستاذ يوسف الصيداوي، مشروع شحرور في كتابه “بيضة الديك:

أثبت بالدليل القاطع أن شحرور اعتمد على فكرة نفي الترادف ليركب منها دلالات اعتباطية؛ حيث كان شحرور يقتطع جذور الكلمات من معاجم قديمة (مثل مقاييس اللغة لابن فارس) ثم يفسرها بطريقة تلائم هواه الفكري وتخالف تراكيب وبلاغة اللسان العربي الذي نزل به القرآن.

– كما تناول الشيخ عبد الرحمن حسن حبنّكة الميداني مقولات شحؤوؤ في كتاب”التحريف المعاصر في الدين: تسلل في الأنفاق بعد السقوط في الأعماق” حيث جادل الميداني بأن شحرور لم يأتِ ليتدبر القرآن متجرداً، بل جاء وفي ذهنه مخطط فكري غربي حداثي ومفاهيم ماركسية مسبقة، ثم حاول قسر الآيات القرآنية وليّ دلالاتها لكي تبرر وتشرعن تلك الأفكار الدخيلة

ينعي المؤلف على شحرور عزل السنة النبوية وتجريد المصطلحات (كالزنا، ملك اليمين، والخمر) من مدلولاتها الشرعية المستقرة هو تحريف باطني معاصر يهدم قوام الدين ويحوله إلى سيولة أخلاقية وتشريعية لا ضابط لها.

– كما ناقش يوسف السمرين، في كتابه “بؤس التلفيق، أسس طرح محمد شحرور حيث يرى أن مشروع شحرور مبني على تلفيق مخل؛ فهو يحاول دمج الفلسفة المادية (الماركسية والداروينية) واللسانيات البنيوية الحديثة مع نص ديني غيبي، مما أوقعه في تناقضات ابستمولوجية مضحكة داخل المنظومة الواحدة.

توصل السمرين إلى أن شحرور يوهم القارئ باستخدام مصطلحات علمية ورياضية (كالحدود، والمنظومة، والتطور المعرفي) ليعطي انطباعاً زائفاً بعلمية قراءته، بينما تطبيقاته الفقهية والعملية هي مجرد تخرصات عشوائية تفتقر لأدنى درجات الاتساق والمنطق الرياضي.

اجمالا ، أستطيع القول إن محمد شحرور رحمه الله اجتهد فأصاب وأخطأ ، وما وقع فيه من هنات كانت نتاج ضعف الالمام بعلم الاصول ولغة العرب وهي ادوات لا غنى لأي مجتهد عنها .

*أستاذ الاذاعة والتليفزيون
كلية الاعلام ـ جامعة السويس ، مصر العربية

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button