‏آخر المستجداتفنون وثقافة

“سبتيات” يحررها ل(كش بريس) د المصطفى عيشان: (الجزء 2)

سمعنا هذه الأيام أن رئيس الحكومة التحق بجزيرة مايوركا لقضاء عطلته بمنتجع بها، وسرعان ما عاد، ولا ندري ان كان يستحضر تاريخ علاقتها بمدينة سبتة عندما يحل بها، فما علاقة هذه الجزيرة بمدينة سبتة زمن المرابطين والموحدين؟

شكلت مدينة سبتة، بفضل موقعها المتميز حلقة وصل محورية في تاريخ الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط. ولم يقتصر دورها على كونها باب الجهاد، بل كانت مركزاً تجارياً دولياً استقطب القوى البحرية الكبرى في البحر المتوسط، ومن أبرزها جزيرة مايوركا (ميورقة) التي ارتبطت بسبتة عبر شبكة معقدة من المصالح التجارية والتحالفات السياسية والعسكرية.

الروابط التجارية والنشاط الملاحي:

تُظهر الوثائق التاريخية أن تجار جزيرة مايوركا كانوا من الأطراف الأساسية في الحركة التجارية النشطة التي شهدها ميناء سبتة. ففي نهاية القرن السابع الهجري (القرن 13 الميلادي)، كان الأرغونيون، وخصوصاً تجار برشلونة ومايوركا، يترددون بانتظام على ميناء سبتة. وعلى الرغم من غياب اتفاقيات رسمية في بعض الفترات، إلا أن التجارة لم تتوقف، حيث استمر القطالنيون وتجار مايوركا في التوافد على سبتة حتى في الفترات التي تغيرت فيها السلطة السياسية في المدينة. وقد كانت هذه العلاقة مبنية على الأرباح الكبيرة التي كانت توفرها سبتة كمنفذ رئيس للتجارة الخارجية المغربية، حيث كانت الاستثمارات في هذا المحور ضخمة جداً وتتم في جو من المنافسة المحمومة مع قوى بحرية أخرى مثل جنوة.

جزيرة مايوركا كمعقل للمقاومة المرابطية وتأثيرها على سبتة :

برزت الأهمية السياسية لمايوركا (ضمن جزر الأندلس الشرقية) في علاقتها بسبتة خلال فترة التحول من الحكم المرابطي إلى الموحدي؛ إذ كانت الجزيرة آخر معاقل سلالة بني غانية الصنهاجية التي ظلت وفية للمرابطين. وعندما واجهت سبتة زحف الموحدين، قام القاضي عياض بالتنسيق مع يحيى بن غانية، الذي كان يسيطر على مايوركا والجزر المجاورة، ليتسلم الأخير مدينة سبتة ويتخذها قاعدة لمحاربة الموحدين وتحرير مدن المغرب. وبالفعل، أعلن أهل سبتة خلع طاعة الموحدين سنة 543 هـ 1149 م انتظاراً لوصول المدد من مايوركا، إلا أن تخاذل يحيى بن غانية عن القدوم أدى في النهاية إلى سقوط سبتة في يد الموحدين.

نهاية نفوذ بني غانية والسيادة الموحدية :

استمر الصراع حول جزر الباليار (التي تعد مايوركا كبرى جزرها) حتى بداية القرن الثالث عشر الميلادي. ففي الفترة ما بين 1200-1201م (597 هـ)، قاد الخليفة الموحدي محمد الناصر حملة عسكرية ناجحة قضى من خلالها على نفوذ بني غانية في جزيرتي مايوركا ويابسة ibiza التابعتين لنفس الأرخبيل. وبهذا، انتهى الوجود السياسي المستقل لبني غانية في تلك الجزر، مما عزز من هيمنة الموحدين على ممرات الملاحة الاستراتيجية بين سبتة والضفة الشمالية للمتوسط.

إن العلاقة التاريخية بين سبتة ومايوركا تجسد بوضوح تداخل المصالح الاقتصادية مع الصراعات السياسية الكبرى في العصر الوسيط؛ فبينما كانت مايوركا تمثل قاعدة عسكرية للمقاومة أو التوسع، ظلت في الوقت ذاته شريكاً تجارياً لا غنى عنه لتعزيز مكانة سبتة كبوابة للتجارة الدولية ومركز إشعاع حضاري في المنطقة.

الهوامش:

محمد الشريف، “سبتة في استراتيجية دول الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط”، مجلة أسطور، العدد الرابع، ص 106.

المصدر نفسه، ص 126.

المصدر نفسه، ص 126.

محمد الشريف، “سبتة في استراتيجية دول الحوض الغربي للبحر الأبيض المتوسط”، ص 107، 126.

محمد القبلي (إشراف)، “كرونولوجيا تاريخ المغرب”، ص 39.

يونس مسكين، “سبتة.. ملتقى القارتين وفاتنة البحر الأبيض التي تجذب أساطيل الغزاة”، الجزيرة نت.

محمد القبلي (إشراف)، “كرونولوجيا تاريخ المغرب”، ص 41.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button