
كش بريس/التحرير ـ
دقّ مجلس المنافسة ناقوس الخطر بشأن الوضع التنافسي لمهنة العدول بالمغرب، معتبرا أن الإطار القانوني والتنظيمي الحالي لم يعد يواكب التحولات التي يعرفها سوق الخدمات التوثيقية، وأن استمرار عدد من القيود المؤسساتية والإجرائية يضعف قدرة العدول على منافسة باقي الفاعلين في القطاع، ويحد من ولوجهم إلى معاملات ذات قيمة اقتصادية مرتفعة.
وجاء هذا الموقف ضمن الرأي الاستشاري الذي صادق عليه المجلس بالإجماع خلال دورته السادسة والسبعين المنعقدة في 30 يونيو 2026، بخصوص مشروع القانون رقم 16.22 المنظم لمهنة العدول، وذلك استجابة لطلب إحالته من رئيس مجلس النواب من أجل تقييم مدى انسجام مقتضيات المشروع مع مبادئ المنافسة الحرة، ومدى تأثيرها على شروط الولوج إلى المهنة وممارسة أنشطتها.
وأكد المجلس، بعد تحليله لمختلف الأنظمة المؤطرة للمهن التوثيقية، أن السوق لا يشتغل وفق شروط متكافئة، إذ توجد تفاوتات قانونية ومؤسساتية تجعل بعض المسالك التوثيقية أكثر جاذبية من غيرها، وهو ما ينعكس مباشرة على توزيع الطلب بين المهنيين.
وفي صدارة هذه الاختلالات، أبرز المجلس غياب إطار قانوني يسمح للعدول بتلقي وتدبير ودائع الزبناء، معتبرا أن هذا النقص لا يمثل مجرد فراغ تنظيمي، بل يشكل عائقا حقيقيا يحرمهم من ممارسة عدد من العمليات التوثيقية المهمة، ويقود المتعاملين تلقائيا نحو جهات أخرى تتوفر على هذه الآلية.
وأوضح أن هذا الوضع ينعكس بشكل مباشر على معاملات السكن المدعم، حيث جرى، بموجب مقتضيات قوانين المالية المتعاقبة، حصر توثيق عقود الاستفادة من الدعم لدى الموثقين، بالنظر إلى توفرهم على منظومة رقمية متكاملة وآليات قانونية لتدبير الودائع، بما يضمن سرعة إنجاز العمليات وتأمينها.
كما يمتد هذا الإقصاء، بحسب المجلس، إلى عمليات تفويت الأصول التجارية، إذ تنص المادة 81 من مدونة التجارة على ضرورة إيداع ثمن البيع لدى جهة مخول لها قانونا تلقي الودائع، وهو شرط لا يستطيع العدول استيفاءه في ظل غياب تأطير تشريعي مماثل، الأمر الذي يبعدهم عن سوق توثيق هذه العمليات.
ولم يقف المجلس عند هذا الجانب، بل سجل أيضا أن التوثيق العدلي يظل خاضعا لمنظومة رقابية مزدوجة، تجمع بين مراقبة قاضي التوثيق عبر مسطرة “الخطاب” ومراقبة المحافظ العقاري بالنسبة للعقارات المحفظة، فضلا عن استمرار العمل بنظام التلقي الثنائي الذي يفرض حضور عدلين في مختلف مراحل تحرير الوثيقة.
ويرى المجلس أن هذه الترتيبات، رغم ما توفره من ضمانات قانونية، تفضي عمليا إلى إطالة آجال إنجاز العقود ورفع الكلفة الزمنية للمساطر، وهو ما يؤثر على تنافسية العدول، خصوصا في المعاملات العقارية التي تتطلب سرعة في الإنجاز والاستجابة.
وفي السياق ذاته، اعتبر الرأي أن الإبقاء على إلزامية التلقي الثنائي باعتباره شرطا لصحة المحرر العدلي يطرح إشكالات تنظيمية ومهنية، إذ يفرض تعبئة عدلين لكل عملية توثيق، في وقت تبقى فيه تعريفة الأتعاب ثابتة ويتم اقتسامها بينهما، بما ينعكس على المردودية الاقتصادية للممارسة المهنية.
كما توقف مجلس المنافسة عند مقتضيات مشروع القانون المتعلقة بتنظيم مكاتب العدول، مبديا تحفظه بشأن تحديد الحد الأقصى لعدد العدول داخل المكتب الواحد في أربعة أعضاء. واعتبر أن هذا السقف قد لا يستجيب لخصوصيات الخريطة الوطنية للمهنة، خاصة في المناطق التي تعاني خصاصا في الموارد البشرية، وقد يؤدي، في المقابل، إلى تكريس أشكال من التمركز المهني والمالي بما يحد من دينامية المنافسة محليا.
وخلص المجلس إلى أن تحديث مهنة العدول لم يعد رهينا بتعديل النصوص القانونية فقط، بل يتطلب مراجعة شاملة للإطار المؤسساتي الذي يحكمها، عبر إرساء آلية قانونية لتلقي الودائع، وتبسيط مساطر الرقابة، وتسريع رقمنة الخدمات، بما يضمن تكافؤ الفرص بين مختلف المهن التوثيقية، ويعزز تنافسية العدول داخل سوق يشهد تحولات متسارعة.





