
كش بريس/التحرير ـ
كشف تقرير الاستقرار المالي لسنة 2025 أن منظومة التقاعد بالمغرب لا تزال تواجه تحديات بنيوية مقلقة، بعدما فاقت قيمة المعاشات والتعويضات المؤداة مجموع الاشتراكات المحصلة بحوالي 2.3 مليار درهم، في مؤشر يعكس استمرار الضغوط المالية التي تثقل كاهل عدد من أنظمة التقاعد، رغم التحسن الظرفي الذي سجلته بعض المؤشرات خلال السنة الماضية.
وأوضح التقرير، الصادر بشكل مشترك عن بنك المغرب والهيئة المغربية لسوق الرساميل وهيئة مراقبة التأمينات والاحتياط الاجتماعي، أن أنظمة التقاعد الأربعة الرئيسية استخلصت خلال سنة 2025 اشتراكات بقيمة 73 مليار درهم، مقابل صرف معاشات وتعويضات بلغت 75.3 مليار درهم، لفائدة نحو 1.5 مليون متقاعد، بينما يساهم في تمويلها حوالي 5.1 ملايين منخرط نشط، أي بمعدل 3.4 مساهمين لكل مستفيد.
وسجلت الاشتراكات نموا بنسبة 9.3 في المائة، وهو مستوى يفوق المتوسط المسجل خلال العقد الأخير، غير أن التقرير أرجع هذا التطور أساسا إلى الزيادات العامة في الأجور الناتجة عن اتفاق الحوار الاجتماعي الموقع في أبريل 2024، معتبرا أن هذا التحسن لا يمثل معالجة حقيقية للاختلالات الهيكلية التي تعانيها المنظومة، بقدر ما يشكل أثرا ظرفيا مرشحا للتراجع مستقبلا.
وفي المقابل، ارتفعت قيمة المعاشات والتعويضات بنسبة 5.8 في المائة، وهو ما يؤكد استمرار اتساع الفجوة بين الموارد والنفقات، خاصة بالنسبة للأنظمة التي تعتمد على احتياطاتها المالية لتغطية العجز التقني.
الصندوق المغربي للتقاعد… العجز يتراجع دون أن يختفي
وحسب التقرير، ظل نظام المعاشات المدنية التابع للصندوق المغربي للتقاعد الأكثر هشاشة من الناحية المالية، رغم تسجيله تحسنا نسبيا خلال سنة 2025. فقد ارتفعت موارده من الاشتراكات إلى 35.6 مليار درهم، في حين بلغت قيمة المعاشات المؤداة 41.1 مليار درهم، ما أفرز عجزا تقنيا ناهز 5.4 مليارات درهم، مقابل 7.3 مليارات درهم خلال السنة السابقة.
وساعد الأداء الإيجابي لاستثمارات الصندوق، التي حققت عائدات بلغت 3.6 مليارات درهم، على تقليص العجز الإجمالي إلى ملياري درهم، غير أن التقرير حذر من أن هذا التحسن لا يغير من الواقع المالي للنظام، إذ ما تزال احتياطاته مهددة بالنفاد خلال فترة تتراوح بين خمس وست سنوات إذا لم يتم اعتماد إصلاح جديد.
كما أشار إلى أن معدل الاشتراك اللازم لتحقيق التوازن المالي انخفض إلى 32 في المائة، لكنه يظل أعلى من المعدل المعتمد حاليا بأربع نقاط مئوية، بما يعكس استمرار عدم التوازن بين المساهمات والالتزامات المستقبلية.
النظام الجماعي… الاستثمارات تخفي اختلالا ماليا
بدوره، واصل النظام الجماعي لمنح رواتب التقاعد تسجيل عجز تقني واضح، بعدما بلغت اشتراكاته 3.8 مليارات درهم فقط، مقابل معاشات وتعويضات بقيمة 8.4 مليارات درهم.
ورغم هذا الفارق الكبير، مكنت عائدات الاستثمارات، التي قاربت 4.9 مليارات درهم، من تحقيق فائض إجمالي محدود بلغ حوالي 221 مليون درهم.
ورغم أن احتياطاته تمنحه أفق استدامة يناهز 29 سنة، فإن التقرير نبه إلى أن الزيادات في الأجور، التي رفعت الاشتراكات، ستنعكس مستقبلا على قيمة الحقوق المستحقة، وهو ما قد يعمق الاختلالات إذا استمر العمل بقواعد احتساب لا تعكس الكلفة الحقيقية للالتزامات.
الضمان الاجتماعي يحتفظ بالفائض… لكن بوتيرة متراجعة
أما فرع التقاعد طويل الأمد بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي، فقد حافظ على توازنه المالي، رغم تسجيل تراجع في فائضه السنوي.
وارتفعت الاشتراكات إلى 20.3 مليار درهم، بينما نمت المعاشات بوتيرة أسرع لتبلغ 18.3 مليار درهم، الأمر الذي أدى إلى انخفاض الفائض التقني إلى ملياري درهم، وتراجع الفائض الإجمالي إلى 2.4 مليار درهم، بعدما كان في حدود أربعة مليارات درهم سنة 2024.
وأشار التقرير إلى أن متانة هذا النظام ترتبط أساسا بتركيبته الديمغرافية، حيث يفوق عدد المساهمين عدد المستفيدين، محذرا من أن هذا العامل وحده لا يكفي لضمان الاستدامة في غياب إصلاحات هيكلية تمس أساليب احتساب الاشتراكات والحقوق.
الصندوق المهني للتقاعد يواصل الأداء الإيجابي
في المقابل، حافظ الصندوق المهني المغربي للتقاعد على نتائجه المالية القوية، بعدما ارتفعت اشتراكاته إلى 13.2 مليار درهم، مقابل صرف معاشات بقيمة 7.5 مليارات درهم.
وسجل الصندوق فائضا تقنيا بلغ 5.7 مليارات درهم، فيما وصل فائضه الإجمالي إلى 8.9 مليارات درهم بفضل العائدات الاستثمارية، وهو ما يعزز وضعه المالي على المدى الطويل.
وتؤكد التقييمات الاكتوارية، بحسب التقرير، قدرة الصندوق على الحفاظ على توازنه المالي إلى غاية سنة 2083، ليظل بذلك في وضعية مغايرة لباقي أنظمة التقاعد الأساسية.
340 مليار درهم من الاحتياطات… ونمو محدود
وبلغت القيمة الإجمالية لاحتياطات أنظمة التقاعد مع نهاية سنة 2025 حوالي 340.8 مليار درهم، بزيادة بلغت 4.3 في المائة مقارنة بالسنة السابقة، غير أن متوسط نمو هذه الاحتياطات لم يتجاوز 1.5 في المائة سنويا خلال السنوات الخمس الأخيرة، نتيجة استمرار استنزاف جزء منها لتغطية العجز التقني الذي تعرفه بعض الأنظمة.
وتتركز استثمارات هذه الاحتياطات أساسا في السندات ومنتجات أسعار الفائدة بنسبة 54.3 في المائة، تليها الأسهم والحصص الاجتماعية بنسبة 33.9 في المائة، ثم الأصول العقارية بنسبة 10.7 في المائة، فضلا عن 69 مليار درهم مودعة لدى صندوق الإيداع والتدبير لفائدة فرع التقاعد بالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي.
التقرير: الإصلاح لم يعد خيارا مؤجلا
وخلص التقرير إلى أن التحسن الذي نتج عن الزيادات في الأجور يظل محدود الأثر زمنيا، لأن ارتفاع الأجور يرفع الاشتراكات الحالية، لكنه يؤدي في المقابل إلى زيادة قيمة المعاشات والحقوق المستقبلية، وهو ما يقلص المكاسب المحققة على المدى البعيد.
وشدد معدو التقرير على أن إصلاح منظومة التقاعد وفق نموذج القطبين، أحدهما يضم أنظمة القطاع العام والثاني يجمع أنظمة القطاع الخاص، أصبح ضرورة لضمان التوازن المالي، وتوحيد قواعد الاشتغال، وتحقيق عدالة أكبر بين الاشتراكات والحقوق.
وأكد التقرير في ختامه أن استمرار تأجيل الإصلاحات سيؤدي إلى تضييق هامش تدخل السلطات العمومية مستقبلا، ويرفع الكلفة المالية والاجتماعية لأي حلول قد تفرضها تطورات الوضع، في وقت تكشف فيه المؤشرات الحالية عن تباين واضح بين صناديق تحقق فوائض بفضل بنيتها الديمغرافية وأخرى لم تعد احتياطاتها وحدها كافية لإخفاء عمق اختلالاتها.





