‏آخر المستجداتلحظة تفكير

مصطفى المنوزي: احتجاج المحامين بالمغرب.. جدل التأطير القانوني وحدود التكييف السياسي

بادر أحد المواطنين بإسم ” بعضهم ” كما يفعل بعض المسؤولين في سياق التدبير المفوض الإفتراضي أو المفترض ، إلى التدخل إراديا في التوتر الجاري بين الدولة وحكومتها نن جهة وبين هيئات المحامين وجمعيتها من جعى أخرى ، بتحرير مقال بمثابة إرهاب فكري وتحريض على الإنتهاك ، ويبدو من خلال مقالات متراكمة أنه متقاض سابق له خلاف مفترض مع أحد المحامين او المحاميات ، وقد أطر غضبه لهجة خطابه وحدة انتقاده ، ويطرح محتوى مقاله الأخير موضوعاً خلافياً حول مشروعية التصعيد المهني الذي أعلنته جمعية هيئات المحامين، إذ يصفه بـ”التمرد المؤسساتي” انطلاقاً من بناء لغوي “” محكم “” مثير ، غير أن هذه الصياغة القوية تظل في حاجة إلى تدقيق من حيث البرهنة القانونية، وذلك للأسباب الموضوعية التالية:

أولاً: إشكالية التأطير المسبق وغياب التعليل القانوني:
يخلق النص، منذ العنوان، انطباعاً قانونياً جاهزاً من خلال وصف الفعل بـ”شبهة التمرد المؤسساتي”، دون استناد إلى نصوص قانونية أو أركان موضوعية وقصدية تثبت هذا التكييف. إذ يستوجب وصف العصيان أو التمرد في القانون أدلة واضحة على مخالفة الأوامر القانونية أو تجاوز حدود الاحتجاج المشروع، وهو ما يفتقر إليه التحليل المعروض.

ثانياً: الخلط بين الاعتراض التشريعي ومنازعة الاختصاص الدستوري:
يغفل النص التمييز بين ممارسة الضغط المهني لتعديل مشاريع القوانين، وبين ادعاء امتلاك سلطة تشريعية موازية ؛ فالدستور المغربي لا يحظر على الفاعلين المهنيين والمدنيين حق الاعتراض أو المطالبة بسحب النصوص، بل إن الفصل 12 منه يُكرس مبدأ الديمقراطية التشاركية، مما يجعل المطالبة بسحب مشروع قانون ضمن إطار المساهمة في النقاش العمومي، وليس خروجاً على الاختصاص التشريعي للبرلمان.

ثالثاً: انتقائية في استحضار المبادئ الدستورية:
يركز النص على مبدأ استمرارية المرفق العام، وهو مبدأ دستوري، لكنه يهمل موازنته بمبادئ أخرى ذات ثقل دستوري كاستقلال الدفاع، وحرية التنظيم المهني، والحق في الاحتجاج، ومبدأ الحكامة الديمقراطية المنصوص عليه في الفصل الأول، إضافة إلى أحكام الفصل 12 بشأن مساهمة الهيئات المهنية في السياسات العمومية. وهذا الانتقاء يخل بالمنهجية الدستورية.

رابعاً: ضعف الحياد في تقييم مشروع القانون 66.23:
يقدم النص وجهة نظر المحامين، لكنه يُدخل تعليقات غير مثبتة، كالقول بأن التأديب الذاتي “أثبت فشله بسبب المحاباة”، دون الاستناد إلى معطيات أو تقارير رسمية. كما أن وجود اختلالات في نظام تأديبي معين لا يبرر، بمفرده، التسليم بصواب البديل الوارد في المشروع، مما يستدعي تمحيصاً موضوعياً.

خامساً: توظيف مصطلحات سياسية ذات حمولة خطابية:
إن استعمال تعابير مثل “الدويلة داخل الدولة” أو “المواطنة الامتيازية” يُعد تصعيداً بلاغياً غير محايد، إذ يفترض وجود ادعاء بامتلاك سلطة سيادية مستقلة من طرف الهيئات المهنية، وهو ما لا تثبته المعطيات المقدمة، والتي تظل في إطار الخلاف حول تنظيم المهنة وحدود استقلالها.

سادساً: إغفال تقييم احترام السلطة التنفيذية للمقاربة التشاركية:
يغفل النص تقييم مدى التزام الحكومة ذاتها بالتشاور الدستوري مع الهيئات المعنية، مكتفياً بنفي وزير العدل كحجة في النزاع، بينما تقتضي المقاربة الحقوقية تقييم شرعية الاحتجاج في ضوء احترام جميع الأطراف، بمن فيها الدولة، لالتزاماتها الدستورية.

سابعاً: تضييق مفهوم حقوق المتقاضين:
يستعمل النص حقوق المتقاضين كحجة ضد المحامين، دون التطرق إلى احتمال أن تؤثر بعض مقتضيات المشروع التشريعي سلباً على جودة الدفاع واستقلاليته، مما قد ينعكس مستقبلاً على الحق في محاكمة عادلة، الذي لا يقتصر على السرعة، بل يتطلب دفاعاً مستقلاً وفعالاً.

و في المقابل يُحسب للنص (.وقد يعد النص تعبيرا عن تيار عام فئوي داخل المشهد الحقوقي أو التكتل الإعلامي السائد … ) فيحسب للنص طرحه لإشكالية التناسب بين وسائل الاحتجاج وآثارها على استمرارية مرفق العدالة، وهو سؤال مشروع يستحق النقاش في إطار مبدأ التناسب، لا في إطار التوصيف المباشر بالعصيان المؤسساتي ؛ غير أن عدم إحترام المسافة الضرورية بين الذات والموضوع يجعل الموقف انطباعيا ومستهدفا غير هادف وغير منصف ؛ فالناقد ينطلق في نصه المتحامل والمحرض من فرضية ضمنية مفادها احتكار الدولة للشرعية الدستورية، مقابل نظرة إلى الاحتجاج المهني بوصفه تهديداً لها. غير أن القراءة الدستورية المتوازنة تفترض أن الشرعية الديمقراطية تقوم على المشاركة والحوار واستقلال الهيئات المهنية، مع احترام التوازن بين السلط والوظائف في منظومة العدالة ؛ مما يستدعي التعامل مع الأمر بموضوعية وحياد ، واعتبار التوصيف الأدق هو أن المغرب لا يواجه “تمرداً مؤسساتياً”، بل أزمة حكامة تشريعية وثقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية من جهة، وهيئات الدفاع من جهة أخرى. واستمرار التمسك بالسرديات الأحادية سيكون مآله التأثير سلباً على الأمن القضائي والقانوني، وحق المتقاضين في عدالة مستقلة وفعالة، وهو الخاسر الأكبر في هذا النزاع.
من جهة ثانية، يلاحظ أن المقال لا يكتفي بمناقشة مشروعية الأشكال الاحتجاجية التي اختارتها هيئات المحامين، وإنما يعتمد استراتيجية خطابية تقوم على أمننة الخلاف المهني والتشريعي. فبدلاً من تقديمه باعتباره نزاعاً مؤسساتياً حول استقلالية المهنة وحدود الإصلاح التشريعي، يُعاد تأطيره بوصفه تهديداً للدولة وهيبتها، عبر استعمال مفاهيم من قبيل “التمرد المؤسساتي”، و”العصيان المهني”، و”الدويلة داخل الدولة”.
هذا التحول في التأطير ليس محايداً؛ إذ يؤدي إلى نقل النقاش من دائرة الاختلاف المشروع حول السياسات العمومية إلى دائرة الاشتباه الأمني والسياسي، بما يسهل تعبئة الرأي العام ضد المحامين، ويضعف التعاطف مع مطالبهم، ويهيئ لتبرير إجراءات أكثر تشدداً في مواجهتهم. وفي أدبيات تحليل الخطاب، يعد هذا من آليات “الأمننة”، حيث يُقدَّم الفاعل الاجتماعي باعتباره مصدر تهديد للنظام العام، لا مجرد طرف في نزاع مهني أو دستوري.
وإذا اقترنت هذه اللغة بخطاب يصور المحامين كأنهم يطالبون بامتيازات استثنائية أو ينازعون الدولة في سيادتها، فإن ذلك قد يسهم في الاغتيال الرمزي للمهنة، من خلال تقويض رصيدها الأخلاقي والحقوقي في الوعي الجماعي، وإعادة تقديمها باعتبارها عائقاً أمام الإصلاح، بدل اعتبارها أحد مكونات منظومة العدالة وشريكاً دستورياً فيها ؛ لذلك وجب الحذر من السقوط في فخاخ المزايدات والتطرف ، بما يخدم أجندات خفية الغايات وغامضة الخلفيات ، وليتم الإبقاء على جسور الحوار والتفاوض ، ولنكن جديين فالمحاماة ليست مؤسسة عمومية أو دستورية تستدعي التحكيم الملكي ، اللهم إذا كان المقصود تدخلا او التفاتة ضمن مجال الدستور المجاز ، وهذا يقتضي استنفاذ كافة إمكانيات الوساطة والإستشارة والحكامة ، دون شخصنة الصراع ولو أن للشخصنة كبير وقع والعواقب لدى مؤسسة التدبير التشريعي المفوض المفترضة والإفتراضية .

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button