
ـ بقلم: زكرياء بن محمد الأزهر الريسوني العلمي الحسني* ـ
«من كلمة الأستاذ سيدي محمد رفقي: الامين العام لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة الأحد 27 شتنبر 2026، بفاس في ختام الدورة السنوية السابعة لمسابقة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة في حفظ القرآن الكريم وترتيله وتجويده حيث أكد أن المؤسسة المعنية حريصة على المضي في تحقيق المقاصد والغايات التي رسم خطتها رئيسها الأعلى أمير المؤمنين جلالة الملك محمد السادس نصره الله وأيده. »
*****
يشهد التواصل الديني تحولات متسارعة بفعل اتساع الفضاء الرقمي وتنامي أثر الوسائط السمعية البصرية في تشكيل المعرفة والتصورات والقيم. ولم يعد تبليغ الخطاب الديني مقتصرًا على سلامة المضمون وصحة الاستدلال، بل أصبح يقتضي أيضًا إحكام اختيار الوسيلة، وفهم أحوال المتلقين، ومراعاة لغاتهم وخصوصياتهم الثقافية. وتزداد أهمية هذا التحول في السياق الإفريقي، حيث تتعدد البيئات الاجتماعية واللغوية، مع اشتراك شعوب القارة في رصيد ديني وروحي وحضاري واسع.
ومن هذا المنطلق، تبرز مسألة تطوير الخطاب السمعي البصري لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة بوصفها مجالًا للتفكير في سبل وصل المرجعية العلمية بكفاءة التواصل، وتحويل التعاون بين فروع المؤسسة إلى إنتاج معرفي مشترك يتجاوز مجرد نقل المحتوى من مركز واحد إلى بقية البيئات الإفريقية.
أولًا: من المرجعية الملكية إلى تجديد الوظيفة التواصلية:
يجد هذا التوجه أصله في الرؤية الملكية المؤسسة لعمل المؤسسة؛ فقد جعل جلالة الملك محمد السادس، في خطابه السامي بمناسبة تنصيب أعضاء المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، يوم 14 يونيو 2016، من التعاون وتبادل التجارب وتنسيق جهود العلماء إطارًا لخدمة الدين الإسلامي وقيم الاعتدال والتسامح والتعايش، والإسهام في الأمن والاستقرار والتنمية بإفريقيا.[1]
وتتصل بهذه المرجعية الرسالة الملكية السامية الموجهة إلى المشاركين في الندوة حول موضوع «ضوابط الفتوى الشرعية في السياق الإفريقي»، بتاريخ 8 يوليوز 2023، التي أكدت أهمية التأطير العلمي والمؤسسي للفتوى، والتنبيه إلى ضرورة إشراك العالمات في مختلف جوانبها، مع مراعاة مسؤولية العلماء في صيانة الدين من التطرف والانغلاق.[2] وتتيح هاتان المرجعيتان النظر إلى التواصل الديني باعتباره جزءًا من مسؤولية علمية ومؤسسية، لا مجرد نشاط إعلامي موازٍ.
فالمطلوب ليس نقل خطاب واحد إلى مجتمعات متعددة فحسب، وإنما بناء خطاب يجمع بين وحدة الأصول وتنوع طرائق التبليغ، وبين ثبات المرجعية والقدرة على مخاطبة الواقع المحلي. وهذا يقتضي أن تتكامل صناعة المحتوى مع التأصيل العلمي، وأن يشارك العلماء في تحديد رسائله ومقاصده، إلى جانب المتخصصين في الإنتاج السمعي البصري والتواصل الرقمي.
ثانيًا: من التجربة القائمة إلى سياسة إعلامية مشتركة:
تقدم الأنشطة المنشورة للمؤسسة شواهد عملية على العناية بالتكوين والتواصل السمعي البصري. فقد نظمت بفاس، خلال الفترة من 6 إلى 9 أبريل 2021، دورة تكوينية لفائدة تقنيي فروعها في البلدان الإفريقية، تناولت تقنيات التواصل والاتصال السمعي البصري.[3] كما أُنجزت تطبيقات عملية لهذا التكوين في تغطية نهائيات الدورة الرابعة للمسابقة القرآنية سنة 2023، التي شارك فيها 93 متسابقًا يمثلون 34 بلدًا إفريقيًا، ونُظمت عن بُعد انطلاقًا من فاس، بتنسيق بين تقنيين وإعلاميين من فروع المؤسسة وفريق تقني مركزي.[4]
وتكشف هذه الشواهد عن وجود خبرة مؤسسية يمكن البناء عليها، وعن إمكان توظيف التكوين في أنشطة مشتركة عابرة للحدود. غير أنها لا تكفي، بمفردها، للحكم على مقدار الأثر الذي أحدثه هذا العمل في الجمهور، أو مدى تغير المعرفة الدينية والسلوك بفعل المحتوى المنشور. فإثبات الأثر يحتاج إلى معطيات مستقلة عن حجم النشر والمشاهدة، وإلى أدوات تقيس الفهم والثقة والتفاعل والاستفادة الفعلية.
وعلى هذا الاعتبار، يمكن اقتراح تطوير سياسة إعلامية مشتركة تقوم على أربعة مسارات متكاملة: أولها، تشكيل فرق إنتاج تجمع العلماء والباحثين والتقنيين، بحيث يخضع المحتوى للمراجعة العلمية قبل نشره؛ وثانيها، إعداد مواد متعددة اللغات تستجيب لحاجات البيئات المحلية، من غير إخلال بوحدة المرجعية؛ وثالثها، تمكين الفروع من الإسهام في اقتراح الموضوعات وإنتاج المحتوى، حتى تصبح شريكًا في بناء المعرفة لا مجرد قناة لتوزيعها؛ ورابعها، وضع مؤشرات دورية لتقويم جودة الإنتاج ومدى وصوله وانتفاع الجمهور به.
ويعزز هذا المقترح ما أعلنته المؤسسة، في 28 ديسمبر 2025، بشأن مشاريع التواصل الرقمي والإصدارات العلمية، وما يرتبط بها من توجه إلى تعزيز الحضور الرقمي وتطوير المحتوى العلمي وتوسيع مساهمة الفروع.[5] والمقصود هنا ليس افتراض أن جميع هذه التوجهات قد استكملت أو تحققت نتائجها، وإنما الإفادة منها في بناء تصور تطويري متدرج، يصل بين المبادرات القائمة ومتطلبات المرحلة المقبلة.
ثالثًا: الشباب الإفريقي وأفق الدبلوماسية الروحية المستدامة:
يحتل الشباب موقعًا مركزيًا في هذا التصور؛ إذ أصبح الفضاء الرقمي من أبرز المجالات التي يتلقى فيها المعرفة الدينية، ويتفاعل من خلالها مع الأسئلة العقدية والأخلاقية والاجتماعية. ولا يكفي في مخاطبته تكثير المقاطع والمنشورات، بل ينبغي العناية بوضوح المضمون، وجودة العرض، وحسن اختيار الموضوع، والقدرة على الإجابة عن الأسئلة التي يثيرها الواقع. كما يقتضي ذلك إشراك العلماء والعالمات والمرشدين والمرشدات، والاستفادة من الخبرات الإفريقية المحلية في فهم حاجات الجمهور وطرائق التواصل معه.
ويمكن أن تتجسد هذه الرؤية في إنتاج سلاسل علمية قصيرة، وحوارات موثقة، ومواد تعريفية بالتراث الإسلامي الإفريقي، وبرامج تتيح للشباب طرح أسئلتهم ومناقشتها في إطار علمي منضبط. كما يمكن إنشاء آلية للتبادل بين الفروع، تُنشر من خلالها التجارب الناجحة وتُدرس إمكانات الاستفادة منها في البيئات الأخرى، مع مراعاة اختلاف اللغات والأولويات المحلية.
ولا ينبغي أن يُقاس نجاح هذا المسار بعدد المشاهدات وحده؛ فالمشاهدة تدل على الوصول، لكنها لا تثبت بالضرورة تحقق الفهم أو رسوخ الثقة أو تغير السلوك. والأجدى بناء تقويم يجمع بين المؤشرات الرقمية، واستطلاعات الجمهور، وتحليل نوعية التفاعل، ومراجعة المحتوى في ضوء أهدافه العلمية والتربوية. وبهذا تنتقل المؤسسة، تدريجيًا، من متابعة انتشار المادة إلى تقدير ما تحققه من منفعة معرفية وروحية واجتماعية.
خاتمة
إن تطوير الخطاب السمعي البصري لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة لا يتحقق بمجرد تحديث أدوات التواصل، وإنما ببناء منظومة إفريقية مشتركة لإنتاج المعرفة الدينية وتبليغها، تجمع بين سلامة المرجعية، وفهم الواقع المحلي، وكفاءة الوسيلة، وتقويم الأثر. وما تشهد به المبادرات المنشورة من تكوين وممارسة ومشروعات تطوير يمثل رصيدًا يمكن استثماره وتوسيعه، لا حكمًا نهائيًا على مستوى الأثر المحقق.
ومن شأن اعتماد هذا المسار أن يعزز التكامل بين الفروع، ويفتح المجال أمام إنتاج علمي أقرب إلى حاجات المجتمعات الإفريقية، ويجعل الدبلوماسية الروحية أكثر اتصالًا بالإنسان وواقعه. فالمقصد ليس أن يصل الخطاب إلى جمهور أوسع فحسب، بل أن يصل واضحًا وموثوقًا ونافعًا؛ وأن تتحول الوسيلة الرقمية من أداة للنشر إلى جسر للتعارف العلمي والتعاون الروحي، بما يخدم الثوابت الدينية المشتركة ويعزز أواصر الأخوة الإفريقية.
°°الحواشي والمراجع الإلكترونية°°
[1] المملكة المغربية، «الخطاب السامي الذي ألقاه جلالة الملك بمناسبة ترؤس جلالته حفل تنصيب أعضاء المجلس الأعلى لمؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة»، فاس، 14 يونيو 2016، البوابة الرسمية للمملكة المغربية.
الرابط المباشر : https://www.maroc.ma/ar/الخطاب-والرسائل-الملكية/الخطاب-الملكي/الخطاب-السامي-الذي-ألقاه-جلالة-الملك-بمناسبة-ترؤس-جلالته-حفل-تنصيب-أعضاء-المجلس-الأعلى-لمؤسسة-محمد
[2] المملكة المغربية، «النص الكامل للرسالة الملكية السامية إلى المشاركين في الندوة حول موضوع “ضوابط الفتوى الشرعية في السياق الإفريقي”»، 8 يوليوز 2023، البوابة الرسمية للمملكة المغربية.
الرابط المباشر: https://www.maroc.ma/ar/الخطاب-والرسائل-الملكية/الرسائل-الملكية/النص-الكامل-للرسالة-الملكية-السامية-إلى-المشاركين-في-الندوة-حول-موضوع-ضوابط-الفتوى-الشرعية-في-السياق.
[3] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، «دورة تكوينية في تقنيات التواصل والاتصال السمعي البصري لفائدة تقنيي فروع المؤسسة»، 6 أبريل 2021.
الرابط المباشر: https://www.fm6oa.org/دورة-تكوينية-في-تقنيات-التواصل-والاتصال/.
[4] وكالة المغرب العربي للأنباء، «مسابقة مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة .. 93 مشاركا في النهائيات»، SNRT News، 1 أبريل 2023.
الرابط المباشر: https://snrtnews.com/article/71194
[5] مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة، «التواصل الرقمي والإصدارات العلمية: رافعتان لتعزيز الإشعاع العلمي للمؤسسة»، 28 ديسمبر 2025.الرابط المباشر: https://www.fm6oa.org/التواصل-الرقمي-والإصدارات-العلمية-را
* إطار إداري / وباحث في العلوم الشرعية والدبلوماسية الدينية والعلاقات المغربية الإفريقية،
خريج كلية أصول الدين بجامعة القرويين، تطوان.
Email: raissounihabouss@gmail.com




