
كرّمت مؤسسة ابن رشد للوئام، التابعة لجمعية الصداقة الأندلسية المغربية، يوم 11 يونيو 2026 بمدينة قرطبة، مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم بمعية مؤسسة الثقافات الثلاث للمتوسط بمنحهما جائزة ابن رشد للوئام في دورتها الثالثة.
ولم يُنظر في الأوساط الإعلامية والثقافية والحقوقية إلى تتويج مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم باعتباره مجرد اعتراف بمسار مؤسسة مدنية راكمت، على مدى ما يقارب ربع قرن، مبادرات فكرية ومدنية رائدة في مجالات الذاكرة وحقوق الإنسان والعدالة الانتقالية والحوار بين الثقافات وتعزيز قيم العيش المشترك العادل القائم على الكرامة والمساواة، بل اعتُبر مناسبة فكرية وحقوقية لإعادة طرح بعض أكثر الأسئلة إلحاحاً في النقاشات المعاصرة المرتبطة ببناء دولة القانون وترسيخ الديمقراطية وصون كرامة الإنسان.
فقد أعاد هذا الاعتراف الدولي إلى الواجهة الأسئلة المركزية التي طرحها مؤسسو المركز منذ اجتماعاتهم التحضيرية الأولى، وهي أسئلة تتجاوز حدود الذاكرة بوصفها استحضاراً للماضي لتلامس جوهر المشروع الديمقراطي نفسه، وهي: ماذا نفعل بالذاكرة بعد أن تؤدي وظيفتها الأساسية في كشف الحقيقة وإنصاف الضحايا والاعتراف بما تعرضوا له من انتهاكات؟ وكيف يمكن تحويلها من سجل للألم والمعاناة إلى قوة أخلاقية ومدنية وسياسية قادرة على تحصين المجتمع ضد العودة إلى الانتهاكات، وترسيخ دولة الحق والقانون، وبناء مستقبل مشترك أكثر عدلاً وإنسانية؟
ومع مرور الوقت، قاد الانشغال بهذه الأسئلة هؤلاء الفاعلين الذين ساهم جلهم في بلورة تجربة الإنصاف والمصالحة المغربية إلى طرح سؤال آخر أكثر تعقيداً، وهو ماذا ستفعل الشعوب بذاكرتها المشتركة مع جيرانها ومحيطها الجيوسياسي، ولا سيما مع البلدان التي جمعتها بها علاقات تاريخية معقدة ما تزال آثارها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والنفسية والثقافية والرمزية حاضرة إلى اليوم وتؤثر في مجريات الأحداث؟ وهل تستطيع منهجية العدالة الانتقالية، التي طُوِّرت أساساً لمعالجة إرث الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان داخل الدولة الواحدة، أن تمد مجال اشتغالها إلى ما يتجاوز الحدود الوطنية، فتسهم في معالجة الأسئلة المعقدة التي تطرحها هذه الذاكرات المشتركة، معالجةً حقوقية وإنسانية تستحضر الماضي من أجل فهمه وتجاوزه، وتتجه نحو المستقبل من أجل بنائه على أساس الاعتراف المتبادل والثقة والتعاون والبناء المشترك؟
ولفهم دلالات هذا الدرس القرطبي الجديد، يجدر التذكير بأن الذاكرة أصبحت خلال العقود الأخيرة، أحد المفاهيم الأكثر حضوراً في الفكر السياسي المعاصر، غير أن هذا الحضور لم يخلُ من مفارقة أساسية؛ فبينما ساهمت سياسات الذاكرة في كشف الانتهاكات وإنصاف الضحايا وكسر دوائر الصمت، تحولت في بعض السياقات إلى فضاء لإعادة إنتاج الانقسامات والهويات الجريحة والمظلوميات المتنافسة. ومن هنا برز سؤال جديد لا يقل أهمية عن سؤال التذكر نفسه: كيف نحمي الذاكرة من سوء استعمالها؟
وبالنظر إلى المكانة المتزايدة التي باتت تحتلها قضايا الذاكرة في مسارات بناء الديمقراطية وترسيخ السلم وتعزيز أسس العيش المشترك الإنساني العادل، لم يعد الاهتمام بها مقتصراً على الضحايا وفاعلي الحركة الحقوقية وحدهم، بل امتد ليشمل الباحثين والمشتغلين في حقول التاريخ والعلوم السياسية وعلم الاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة والقانون وغيرها من التخصصات المعنية بفهم شروط الانتقال من مجتمعات العنف والانقسام إلى مجتمعات المواطنة والتعايش.
وفي هذا السياق، نبه تزفيتان تودوروف، في كتابه «إساءة استعمال الذاكرة»، إلى أن الخطر لا يكمن فقط في نسيان الماضي، بل أيضاً في تحويله إلى مصدر دائم للانقسام والصراع. فالذاكرة، في تصوره، لا تستمد مشروعيتها من مجرد استحضار الألم أو إعادة إنتاج مشاعر المظلومية، وإنما من قدرتها على استخلاص الدروس الإنسانية والأخلاقية الكفيلة بمنع تكرار المآسي وفتح آفاق جديدة للتفاهم بين الأفراد والجماعات. فالقيمة الحقيقية للذاكرة لا تتجسد في بقائها أسيرة للماضي، بل في مساهمتها في بناء مستقبل أكثر عدلاً وحرية وكرامة.
ولعل هذا ما يفسر أيضاً المكانة التي يحتلها بول ريكور في التفكير المعاصر حول الذاكرة. ففي كتابه «الذاكرة، التاريخ، النسيان» لم يتعامل مع الذاكرة باعتبارها مجرد استعادة للماضي، بل باعتبارها مسؤولية أخلاقية تجاه الحقيقة وتجاه المستقبل في آن واحد. فالمجتمعات لا تتذكر لكي تبقى رهينة لما وقع، بل لكي تفهمه وتستخلص منه ما يسمح بتوسيع مجال الحرية والعدالة. ومن ثم فإن الوفاء للضحايا لا يتحقق فقط بحفظ ذكراهم، بل أيضاً ببناء الشروط السياسية والمؤسساتية الكفيلة بمنع تكرار ما تعرضوا له.
وفي الاتجاه نفسه، ترى أليدا أسمان في كتابها : ‘’الظل الطويل للماضي- 2016’’ أن مستقبل المجتمعات الديمقراطية لا يرتبط فقط بقدرتها على حفظ الذاكرة، بل أيضاً بقدرتها على تحويلها إلى فضاء للاعتراف المتبادل وتقاسم المسؤولية تجاه الماضي، بما يسمح ببناء أفق مشترك للمستقبل.
ومن هنا تبرز إحدى الإشكاليات المركزية التي تواجه المجتمعات الخارجة من فترات الاستبداد والعنف والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان: كيف يمكن صون حق الضحايا في الحقيقة والإنصاف والاعتراف دون أن تتحول الذاكرة إلى هوية سياسية مغلقة، أو إلى رأسمال رمزي يُستثمر في إعادة إنتاج الانقسامات واستدامة الصراعات؟ وكيف يمكن تحويلها، في المقابل، إلى فضاء مشترك للتعلم الجماعي وإعادة بناء الثقة وترسيخ قيم المواطنة والديمقراطية؟
إن التحدي الحقيقي الذي تواجهه سياسات الذاكرة لا يتمثل في الاختيار بين التذكر والنسيان، بقدر ما يتمثل في إيجاد التوازن الضروري بين مطلبين متلازمين: الاعتراف والبناء. فالاعتراف يشكل شرطاً أخلاقياً وقانونياً لا غنى عنه لإنصاف الضحايا واستعادة الحقيقة وصيانة الكرامة الإنسانية، غير أنه يفقد كثيراً من معناه التحرري عندما يتحول إلى غاية مكتفية بذاتها، أو عندما يصبح أساساً لإنتاج هويات جماعية تستمد مشروعيتها السياسية من استدامة الإحساس بالمظلومية أكثر مما تستمدها من قدرتها على الإسهام في بناء مستقبل مشترك.
ذلك أن الهدف الأسمى للعدالة الانتقالية، باعتبارها إحدى المنهجيات الأكثر عمقاً لمعالجة قضايا الذاكرة في علاقتها بالبناء الديمقراطي، ليس تخليد الألم، بل تحرير المجتمع من آثاره؛ وليس تثبيت الناس داخل ذاكرتهم الجريحة، بل تمكينهم من تحويل تلك الذاكرة إلى قوة أخلاقية ومدنية تساعد على بناء دولة الحق والقانون، وترسيخ ثقافة الديمقراطية، وتوسيع دوائر الثقة والتضامن بين المواطنين.
ومن هذه الزاوية تكتسب التجربة المغربية في العدالة الانتقالية أهميتها الخاصة. فإلى جانب ما حققته من كشف للحقيقة والاعتراف بالضحايا وجبر للأضرار، سعت هيئة الإنصاف والمصالحة إلى ربط معالجة انتهاكات الماضي بإصلاح المؤسسات وتعزيز الضمانات القانونية والدستورية الكفيلة بعدم التكرار. وهو ما يعكس انتقالاً نوعياً من منطق الإنصاف بوصفه تسوية مع الماضي إلى منطق البناء الديمقراطي بوصفه استثماراً في المستقبل، ويجسد عملياً فكرة أن الذاكرة لا تؤدي وظيفتها كاملة إلا عندما تتحول إلى رافعة للإصلاح وترسيخ دولة الحق والقانون.
وقد أظهرت تجارب عديدة عبر العالم أن المجتمعات لا تتعثر فقط بسبب تغييب الذاكرة، بل قد تتعثر أيضاً بسبب سوء إدارتها. فالذاكرة التي تتحول إلى أداة للفرز الأخلاقي بين المواطنين، أو إلى مصدر دائم للشرعية السياسية، تصبح جزءاً من المشكلة بدل أن تكون جزءاً من الحل. وهنا تحديداً تكتسب ملاحظة تودوروف أهميتها؛ فالماضي الذي يُستدعى من أجل الفهم والتحرر يختلف جذرياً عن الماضي الذي يُستدعى من أجل إعادة إنتاج الانقسام أو تغذية الشعور الجماعي بالضحية.
ولعل ما يفسر القيمة المتزايدة التي أصبحت تحظى بها بعض المبادرات المدنية العاملة في مجال الذاكرة ومن بينها مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم، هو أنها لم تتعامل مع الماضي باعتباره مادة للصراع، بل باعتباره مورداً أخلاقياً لبناء المستقبل. ومن هذه الزاوية تكتسب الشهادة التكريمية التي قدمتها الباحثة الأنثروبولوجية ساندرا روخو فلوريس بمناسبة تتويج المركز في قرطبة دلالتها الفكرية الخاصة. فما استوقفني فيها لم يكن الإشادة بالمركز أو استعراض ما راكمه من مبادرات تفاعلية مع التجربة المغربية في العدالة الانتقالية وتجارب عالمية أخرى، بل قدرتها على التقاط الفكرة الناظمة لمسار طويل من التفكير والعمل المشترك حول قضايا الذاكرة والعدالة الانتقالية والديمقراطية.
ولذلك لم يكن من قبيل المصادفة أن تؤكد ساندرا، في شهادتها، أن الذاكرة لا ينبغي أن تُستخدم لإحياء الأحقاد، بل لبناء المصالحة، وأن الديمقراطية لا تختزل في المؤسسات وحدها، بل تحتاج أيضاً إلى ثقافة مدنية قوامها الحوار والكرامة الإنسانية. وهي الفكرة نفسها التي أصبحت تشكل إحدى الخلاصات الأساسية لأدبيات العدالة الانتقالية المعاصرة.
غير أن التحولات التي يشهدها العالم اليوم تجعل هذه المهمة أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى. وقد نبهت الباحثة المتخصصة في العدالة الانتقالية بريسيلا هاينر إلى أن لجان الحقيقة لا تستمد قيمتها من قدرتها على توثيق الانتهاكات فحسب، بل من قدرتها على المساهمة في إصلاح المؤسسات واستعادة ثقة المواطنين في المجال العام. وفي ظل صعود الهويات المغلقة والسرديات المتنافسة وأشكال الاستقطاب الجديدة، لم تعد الذاكرة تُستعمل دائماً لتوسيع دائرة الاعتراف المتبادل، بل أصبحت في أحيان كثيرة وسيلة لإعادة رسم الحدود بين الجماعات وإحياء الانقسامات التاريخية.
وفي الختام، لا يبدو اختيار قرطبة لتكريم تجربة من هذا النوع أمراً عرضياً أو مجرد صدفة جغرافية. فهذه المدينة التي احتلت مكانة خاصة في الذاكرة الإنسانية بوصفها فضاءً للتفاعل الخلاق بين الثقافات والأديان والمعارف، لا تُستدعى اليوم باعتبارها نموذجاً مثالياً للماضي أو موضوعاً للحنين التاريخي، وإنما باعتبارها شاهداً على قدرة البشر على تحويل الاختلاف إلى مصدر للإبداع المشترك والإثراء المتبادل.
فإذا كان «درس قرطبة» التاريخي قد تجسد في قدرة جماعات متعددة على الإسهام المشترك في إنتاج المعرفة والعمران والثقافة، فإن «درس قرطبة الجديد» يكمن في القدرة على تحويل الذاكرة ذاتها إلى مورد أخلاقي وسياسي لبناء المستقبل. فالمسألة لم تعد تتعلق فقط بحفظ الماضي أو إنصاف ضحاياه، بل بجعل الذاكرة رافعة للاعتراف، والاعتراف أساساً للثقة، والثقة شرطاً للمواطنة الديمقراطية، والمواطنة أفقاً لمشروع جماعي قوامه الحرية والكرامة والعدالة.
ذلك أن القيمة الحقيقية للذاكرة لا تقاس بقدرتها على استحضار الألم أو تخليد المعاناة، وإنما بقدرتها على تحويل التجارب القاسية إلى معرفة عمومية نافعة، والمعرفة إلى إصلاحات مؤسسية، والإصلاحات إلى ضمانات فعلية لحماية الحقوق والحريات ومنع تكرار الانتهاكات.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى الانتقال من منطق «العيش المشترك» إلى أفق أكثر تقدماً يتمثل في «البناء المشترك» كما بلورته أخيرا النقاشات التي عرفها مركز الذاكرة المشتركة خلال تجديد مؤسساته. فالعيش المشترك يظل، في أفضل الأحوال، إطاراً لتدبير الاختلاف والتعايش معه، أما البناء المشترك فيفترض مشاركة الجميع في صناعة المستقبل، وصياغة المصالح العامة، وتحمل المسؤولية الجماعية تجاه مصير المجتمع. إنه انتقال من مجرد قبول الآخر إلى العمل معه، ومن الاعتراف المتبادل إلى الفعل المشترك، ومن إدارة الذاكرة إلى توظيفها في خدمة مشروع ديمقراطي يجعل من كرامة الإنسان وحقوقه الغاية النهائية لكل جهد سياسي وثقافي ومجتمعي.
غير أن هذا الانتقال لا يمكن أن يتحقق بالإرادة الأخلاقية وحدها، بل يحتاج إلى منهجية واضحة وأدوات عملية قادرة على تحويل الذاكرة من موضوع للتأمل إلى قوة فاعلة في الواقع. ومن هنا تكتسب العدالة الانتقالية أهميتها، ليس فقط باعتبارها آلية لمعالجة انتهاكات الماضي، بل أيضاً بوصفها إطاراً يساعد المجتمعات على تحويل الاعتراف إلى إصلاح، والإنصاف إلى ثقة، والذاكرة إلى مشروع للمستقبل.
وربما يكون هذا هو التحدي الفكري والحقوقي الجديد الذي يفرض نفسه على عصرنا: فإذا كانت العدالة الانتقالية قد وُلدت لمعالجة إرث الانتهاكات داخل الدولة الواحدة، فإن تحولات العالم المعاصر تدعونا إلى التفكير في توسيع أفقها لتسهم كذلك في معالجة الذاكرات المشتركة بين الشعوب والدول. فكما احتاجت الديمقراطيات إلى الحقيقة والإنصاف لتجاوز جراحها الداخلية، قد تحتاج العلاقات بين الأمم أيضاً إلى أشكال جديدة من الاعتراف والحوار والإنصاف التاريخي حتى يصبح المستقبل المشترك أكثر عدلاً وإنسانية. ولعل هذا ما يجعل التفكير في عدالة انتقالية للذاكرات المشتركة أحد التحديات الفكرية والحقوقية الكبرى للقرن الحادي والعشرين، وحتى نستطيع، أخيراً، أن نصنع للماضي مستقبلاً.
*رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية و السلم .





