
كوميديا الكذب السياسي لا تسدل ستارتها؛ كلما ظننا أن العرض انتهى، خرجت الشخصيات ذاتها لتعلن أن المهمة لم تكتمل بعد.
الأحزاب التي صنعت أغلبيتها من وعود الناس، ثم أمضت خمسة أعوام وهي تبدد رصيد السياسة من المعنى، لم تكتف بما فعلت؛ ها هي تعود إلى المسرح بالأقنعة نفسها، وبالعبارة ذاتها تقريبا: «إكمال المهمة». وكأن البلاد كانت طوال هذه السنوات في ورشة إنجاز، لا في مختبر طويل للفشل السياسي، وكأن الذاكرة الشعبية قابلة للمحو كلما احتاج الخطاب الانتخابي إلى صفحة جديدة.
المفارقة أن الذين أخفقوا في إنجاز ما وعدوا به، يقدمون أنفسهم اليوم باعتبارهم الأقدر على إتمامه، فتبلغ السياسة ذروة عبثها، حيث يصبح الفشل نفسه حجة للاستمرار، ويغدو العجز مرحلة أولى من النجاح المؤجل. وكلما اتسعت المسافة بين الوعد والواقع، ازداد إصرار الخطاب على بيع الوعد ذاته، كما لو أن الحقيقة لا تقاس بما حدث، وإنما بما يستطيع الخطاب أن يقوله عنه.
إنها آلية سياسية شديدة القسوة.. تحويل الزمن إلى حليف للنسيان، وتحويل الذاكرة إلى خصم ينبغي التحايل عليه. خمس سنوات من التدبير تختزل في جملة انتخابية، والخيبات المتراكمة يعاد تدويرها باعتبارها «مهاما لم تكتمل»، بينما يطلب من المواطن أن يمنح الثقة مرة أخرى لمن استنفدوا رصيدها.
والأشد مفارقة أن هذه اللعبة لا تراهن على قوة الإنجاز، وإنما على هشاشة الذاكرة السياسية. فالناخب الذي عاش الغلاء والقلق الاجتماعي وضيق الأفق وفراغ الوعود، يستدعى من جديد إلى سوق الأماني، حيث يعاد تغليف البضاعة القديمة بورق انتخابي جديد. فلا تعود السياسة فعلا عموميا لإدارة الشأن المشترك، وإنما تتحول إلى كوميديا لإعادة إنتاج الشرعية؛ وجوه تتبدل مواقعها، شعارات تتغير قليلا، لكن النص يبقى نفسه .. وعد ثم تبرير ثم تأجيل ثم وعد جديد باسم «إكمال المهمة».
وهذه هي المفارقة التي تجعل المشهد أقرب إلى ما تسميه الثقافة الشعبية ب«الفراقشية»: براعة في صناعة الصورة، وفن في تسويق الوهم، وقدرة على تحويل العجز إلى بطولة انتخابية، والانتكاسة إلى مشروع مستقبلي، والخيبة إلى وعد جديد.
إن «الفراقشية» ليست مجرد وصف ساخر؛ إنها بلاغة سياسية كاملة.. أن ترى أكثر مما تنجز، وأن تتكلم عن المستقبل كلما حاصرك الماضي، وأن تطلب من الناس أن يحاسبوا أحلامهم بدل أن يحاسبوا أصحاب الوعود.
ولذلك، فإن أخطر ما في هذه الكوميديا ليس أن السياسيين يكذبون؛ فالسياسة حين تفقد أخلاقها تستطيع أن تحتمل الكذب. الأخطر هو أن يتحول الكذب إلى نظام لإنتاج الأمل، وأن يصبح المواطن مطالبا بتجديد ثقته لا لأن الواقع تغير، وإنما لأن الخطاب وجد صيغة جديدة لتأجيل الحقيقة.
بعد خمسة أعوام، لا يبدو شعار «إكمال المهمة» وعدا بالمستقبل، بل هو طلب شاغر لتمديد الماضي. أما الشعب، ذلك الذي أنهكته كلفة الانتظار، فلا يحتاج إلى مهمة تستكمل فوق رأسه، بقدر ما يحتاج إلى سياسة تستعيد معناها، وإلى مسؤولين يملكون شجاعة القول إن بعض الوعود لم تتحقق، وإن الاعتراف بالفشل أحيانا أكثر أخلاقية من اختراع نجاح لم يحدث.
قد تصبح السياسة فنا لإخفاء آثار الفشل، وقد تتحول الديمقراطية نفسها إلى مسرح؛ كما أن التصويت قد يصبح مجرد فرصة لإعادة عرض المسرحية ذاتها، لكن المشكلة لا تعود في الجمهور الذي يصفق، بل في النص الذي لا يتغير مهما تغيرت نهاياته.
لها علاقة بما سبق:
من باع صوته من أجل أن يملأ بطنه، أو استبدل ضميره بقروش قليلة، واختار لمن يعرف أنه يكذب لأنه دفع ثمن صوته، فليتذكر أن الموائد التي تُقام على موائد الحاجة لا تدوم، وأن النقود التي تُنتزع من لحظة إذلال سرعان ما تفقد قيمتها حين تنكشف الحقيقة.
فالانتخاب الذي يبدأ بصفقة صغيرة قد ينتهي بخسارة كبيرة؛ لأن من يبيع صوته لا يبيع ورقة في صندوق، وإنما يرهن جزءاً من مستقبله لمن اشترى ثقته بثمن بخس. وحين تنفض الموائد، وتنتهي الولائم، وتتلاشى القروش التي لا تصنع كرامة ولا تبني مستشفى ولا تفتح مدرسة ولا تحفظ حقا، يبقى السؤال واقفا أمام صاحبه: ماذا ربحت حين بعت من سيمثلك؟ وماذا خسرت حين جعلت من ضميرك سلعة؟
قد تأتي لحظة يبحث فيها الإنسان عن ظلّ يحميه فلا يجده، وعن مسؤول ينصفه فلا يراه، وعن مؤسسة تردّ عنه الظلم فلا تصغي إليه؛ وحينها لن تنفعه الذاكرة التي تقول إنه قبض ذات يوم ثمناً زهيداً مقابل مستقبل كان يستطيع أن يختار له وجهاً آخر.
فالمال الذي يُدفع لشراء الأصوات ينتهي في جيب، أما أثر الاختيار الفاسد فيبقى في الطرقات، والمستشفيات، والمدارس، والقرارات، وفي حياة أجيال كاملة. وحين ينقشع السراب، قد يكتشف من باع صوته أنه لم يكن يبيع صوته لمرشح، وإنما كان يبيع حقه في أن يسأل ذات يوم: من أوصلنا إلى هنا؟، من ثمة لن تكون الموائد شاهدة، ولا القروش شاهدة؛ سيكون الضمير وحده هو الشاهد.
(الصورة من الأرشيف)



