
كش بريس/قلعة السراغنة ـ
عاد ملف تدبير مياه السقي بمنطقة زمران الشرقية بإقليم قلعة السراغنة إلى دائرة الاهتمام، بعدما جدد عدد من الفلاحين شكاياتهم بشأن برمجة حصص الري وكيفية توزيعها، في ظل ما يقولون إنه استمرار لاختلالات تمس استفادتهم الفعلية من المياه، مقابل غياب تفاعل إداري حاسم مع مطالب سبق أن طُرحت على الجهات المعنية.
وتتجاوز أهمية الملف، وفق المعطيات المتداولة في شكايات المتضررين، مسألة تدبير ساعات السقي أو تحديد مدد الاستفادة، لتطرح سؤالاً أوسع حول مدى انتظام المراقبة الإدارية لمنظومة توزيع المياه، وحول مصير الشكايات التي يقدمها الفلاحون على المستوى المحلي، وما إذا كانت جميع هذه الشكايات والمعطيات تصل فعلاً إلى المصالح الجهوية المختصة بقطاع الفلاحة بمراكش، أو إلى مكتبها بإقليم قلعة السراغنة.
ويحذر متضررون من أن استمرار التعامل مع شكايات الفلاحين باعتبارها ملفات فردية ومتفرقة قد يحجب عن الإدارة الصورة الكاملة للوضع الميداني، خصوصاً عندما تتكرر المطالب وتتقاطع مضامينها حول المشكلة نفسها. فغياب التجميع والتتبع والمراقبة قد يجعل الإدارة الجهوية أمام معطيات ناقصة، في وقت تكون فيه الخسائر الزراعية قد بدأت فعلياً في التراكم.
وكان فلاحون قد أثاروا، في شكايات سابقة، مجموعة من الملاحظات المرتبطة بتدبير مياه الري، من بينها تقليص مدد الاستفادة، ومشاكل مرتبطة بقنوات التوزيع، فضلاً عن مزاعم تتعلق بتفويت ساعات من السقي مقابل مبالغ مالية.
وبحسب إفادات المشتكين، فإن نظام الري بالتنقيط يفترض أن يخضع لبرمجة واضحة لدورات السقي، مع تحديد مدد الاستفادة واحتساب الاستهلاك وأداء المستحقات وفق القواعد والمساطر الجاري بها العمل. غير أن بعض الفلاحين يتحدثون عن استفادة لم تتجاوز، في حالات معينة، 24 ساعة، مع مخاوف من تقليص هذه المدة مستقبلاً إلى خمس ساعات.
وفي منطقة تعتمد فيها الضيعات على انتظام الدورة المائية للحفاظ على الأشجار والمحاصيل، فإن أي تغيير في البرمجة أو تقليص في ساعات السقي قد تكون له نتائج مباشرة على الإنتاج وعلى قدرة الفلاح الصغير على الاستمرار. ولذلك تبرز الحاجة إلى معرفة الجهة التي تحدد الحصص والمدد، والمعايير المعتمدة في ذلك، ومدى تطابق البرمجة المعلنة مع ساعات السقي التي يحصل عليها الفلاحون فعلياً.
مزاعم خطيرة تستوجب التحقق
الأكثر حساسية في هذا الملف ما تضمنته بعض الشكايات من مزاعم بشأن تفويت ساعات من مياه السقي مقابل 100 درهم للساعة، مع توجيه اتهامات إلى أطراف مرتبطة بتدبير العملية.
وهذه المعطيات تظل، في غياب تحقيق رسمي، مجرد ادعاءات صادرة عن أصحاب الشكايات ولا يمكن اعتبارها وقائع ثابتة. غير أن طبيعتها تفرض على الجهات المختصة التعامل معها بالجدية اللازمة، عبر التحقق من سجلات توزيع المياه، وبرامج السقي، وساعات تشغيل الشبكة، وكشوفات الأداء، وكل الوثائق التي تسمح بتحديد المسؤوليات والتأكد من مدى احترام المساطر.
فالرقابة الإدارية لا يفترض أن تبدأ بعد وقوع الضرر فقط، وإنما ينبغي أن تكون حاضرة في صلب عملية تدبير مورد حيوي، خصوصاً عندما يتعلق الأمر بمياه السقي وبفلاحين صغار لا يملكون دائماً الوسائل التقنية أو القانونية الكافية لمتابعة حقوقهم والدفاع عنها.
أين تنتهي الشكاية المحلية وأين تبدأ مسؤولية الإدارة؟
السؤال الذي يفرض نفسه في هذه الحالة يتعلق بمسار الشكايات نفسها: هل يجري رفع جميع شكايات الفلاحين وملاحظاتهم إلى مديرية الفلاحة بجهة مراكش أو إلى المصالح التابعة لها بإقليم قلعة السراغنة؟ وهل تخضع هذه الملفات للتتبع الإداري المنتظم؟ ومن يتأكد من تنفيذ ما تقرره المصالح المختصة على أرض الواقع؟
فإذا كانت شكايات متعددة تصل إلى الجهات المحلية ولا تجد طريقها إلى مستويات المراقبة الإدارية الأعلى، فإن المشكلة لا تعود مرتبطة فقط بطريقة توزيع مياه السقي، وإنما تمتد إلى سلسلة التدبير الإداري نفسها.
كما أن استمرار الشكايات حول المشكلة ذاتها دون معالجة واضحة يفرض على المصالح المعنية الانتقال من استقبال الحالات الفردية إلى البحث في أصل الخلل: هل يتعلق الأمر ببرمجة غير ملائمة؟ أم بأعطاب تقنية؟ أم بسوء تدبير؟ أم بغياب التنسيق بين المتدخلين؟ أم بضعف آليات المراقبة والتتبع؟
خسائر الفلاح لا تنتظر المراسلات الإدارية
سبق أن أثيرت مشاكل مماثلة في المنطقة، من بينها شكايات لفلاحين تحدثوا عن أعطاب في قنوات ومواقع تفريغ المياه تسببت في ضياع جزء من المدة المخصصة للسقي.
وفي إحدى الحالات، تحدث فلاح من دوار أولاد معزوز عن صعوبات تقنية حالت دون وصول المياه إلى ضيعته بالكيفية المطلوبة، ما دفعه إلى الاستعانة بأنبوب بلاستيكي لتجاوز الخلل، في وقت لم تكن حصته الزمنية تتجاوز 19 دقيقة.
وقد تبدو هذه الأرقام، من منظور إداري، مجرد مدد أو حصص قابلة للتعديل، لكنها بالنسبة إلى الفلاح تعني أشجاراً تحتاج إلى الماء، ومحصولاً ينتظر دورة الري، وتكاليف إنتاج لا تتوقف، ودخلاً أسرياً يرتبط باستمرار النشاط الزراعي.
ومن هنا، فإن التأخر في معالجة الشكايات أو عدم رصد حجم الضرر الميداني قد تكون كلفته أعلى بكثير من كلفة التدخل الإداري المبكر.
هل يترك الفلاح الصغير وحيداً أمام الخلل؟
في ظل الجفاف وتراجع الموارد المائية وارتفاع كلفة الإنتاج، أصبح تدبير مياه السقي قضية ترتبط مباشرة بالأمن الاقتصادي والاجتماعي للفلاحين الصغار. ولذلك فإن ترك هؤلاء في مواجهة أعطاب الشبكة أو غموض البرمجة أو تضارب المعلومات أو بطء الاستجابة للشكايات يطرح سؤالاً صريحاً حول فعالية الحماية الإدارية للمستفيدين من مشاريع الري.
فالفلاح الصغير لا يملك في الغالب القدرة على إجراء افتحاص تقني لشبكة المياه، ولا يستطيع بمفرده التحقق من سجلات التوزيع أو مطابقة ساعات السقي المعلنة مع تلك المنجزة فعلياً. وهذه تحديداً هي إحدى وظائف الإدارة: أن تراقب، وتتحقق، وتستمع، وتفحص الوثائق، وتنزل إلى الميدان عندما تتكرر الشكايات.
وعندما تتكرر شكايات متشابهة، فإن تجاهلها أو التعامل معها باعتبارها نزاعات فردية قد يؤدي إلى إخفاء مشكلة جماعية تتطلب تدخلاً مؤسساتياً.
المطلوب: افتحاص ميداني ومسار واضح للشكايات
أمام استمرار الجدل، تبدو الحاجة ملحة إلى افتحاص إداري وميداني لمنظومة تدبير مياه السقي بالمركز الفلاحي 406، مع تحديد المسؤوليات بدقة، والاستماع إلى الفلاحين، ومراجعة سجلات وبرامج توزيع المياه، ومقارنة الساعات المبرمجة بالساعات المستفاد منها فعلياً.
كما تبرز ضرورة التأكد من أن شكايات الفلاحين المقدمة على المستوى المحلي تصل إلى المصالح الإقليمية والجهوية المختصة، وأنها لا تتوقف عند حلقات التدبير الدنيا دون أن تخضع للتتبع والمراقبة.
ولا يتعلق الأمر هنا بإدانة أي طرف قبل انتهاء التحقيق، وإنما بضمان حق الفلاح في معرفة كيفية تدبير مورد المياه الذي يستفيد منه، وضمان شفافية البرمجة، وتحديد المسؤوليات، والتحقق من أي ادعاءات تتعلق بالأداءات أو تفويت ساعات السقي خارج القواعد القانونية.
فالعدالة في توزيع المياه لا تتحقق بالبرمجة الورقية وحدها، وإنما بقدرة الإدارة على التأكد من أن ما هو مقرر يصل فعلاً إلى الفلاح في الميدان.
وفي النهاية، يظل السؤال الأكثر إلحاحاً موجهاً إلى منظومة التدبير نفسها: كم من شكاية بقيت في المستوى المحلي ولم تصل إلى الجهات التي يفترض أن تراقب؟ وكم من ساعة سقي ضاعت بسبب خلل تقني أو إداري؟ وكم من خسارة تحملها الفلاحون بصمت قبل أن تصل أصواتهم إلى المصالح المختصة؟
هذه الأسئلة لا تحتاج إلى المزيد من المراسلات بقدر ما تحتاج إلى معاينة ميدانية، وفتح السجلات، والاستماع إلى المتضررين، وتحديد المسؤوليات، وربط التدبير بالمراقبة والمساءلة. ففي قطاع الفلاحة، قد يكون التأخر في اتخاذ قرار إداري كافياً لتحويل خلل صغير في شبكة المياه إلى خسارة لا يستطيع الفلاح الصغير تعويضها.




