
ليس جديدا الحديث عن كون تيفيناغ ككتابة وكحرف بديل عن الحرف العربي، مشروعا استعماريا صهيونيا لإبعاد المغاربة عن بعضهم البعض والتشويش على التماسك والوحدة الاجتماعية المغربية وصولا إلى تفجيرها.
هذه المعلومة أكدها عدد كبير قد لا يحصى من المفكرين والباحثين اليهود والأجانب الشرقيين والغربيين والمسلمين في الشأن الصهيوني والمغربي منذ القديم.
كذلك فإن اللغة الأمازيغية المعيارية التي تدرس اليوم تخدم نفس الأهداف لكونها بدل أن تدمج البربر ومعهم العرب في لغاتهم الطبيعية التي يعرفونها ويتكلمون بها، وفي الحرف العربي الذي يعرفونه ويكتبون به، والذي كتبت به الأمازيغية منذ القديم وراكمت به تراثا مكتوبا بالحرف العربي، حيث تضيف إليهم بدلا من ذلك لغة جديدة غريبة وحرفا جديدا غريبا.
وبدل أن تسهل على الناطقين بالبربرية وعلى الناطقين بالعربية في إطار العملية التعليمية التعامل والتفاهم واكتساب اللغة اليومية البربرية التداولية بسهولة ويسر، وكتابتها وقراءتها،
بدلا من ذلك يتم تهجير ونفي الناطق بإحدى اللغات البربرية نفسه من لغته الطبيعية.
ثم يتم حجبه عن ممارسة دور المثاقفة والتعليم لرفاقه الناطقين بالعربية، عن طريق التواصل اليومي والتعايش والتعامل والتعلم والكتابة والقراءة.
هذا فضلا عن إضافة لغة بربرية جديدة لعموم الناطقين بالبربرية تحتاج الى تعلم وجهد جديد.
كذلك هذا فضلا عن محو الذاكرة الثقافية اللغوية الفكرية الفنية الاقتصادية الاجتماعية للمجموعات البربرية، وإلغاء التاريخ الثقافي والشخصية المميزة والخصوصيات ومجموع التراث الذي راكموه عبر الأزمنة والإجهاز عليه.
إنه مشروع لخلخلة البنية الاجتماعية والعلمية والتاريخية والثقافية للمجموعات البربرية المختلفة اللغات، وإرباك علاقتهم بلغتهم البربرية الأصلية، وتغيير هويتهم اللغوية وتاريخهم، لأن اللغة حاملة للثقافة والتاريخ والهوية.
وهو مشروع لعزل المغاربة عن بعضهم وعن حقيقتهم وعن عائلاتهم نفسها، وبث التشكيكات والنعرات والصراعات بين الأسرة والعائلة الواحدة وبين أبناء المغرب الموحد الواحد.
ومشروع لتمييز البربر والشخصية البربرية التي نغير اسمها الى اسم الأمازيغية لإبعادها عن العرب والعربية، لنضع لها حرفا فينيقيا وشخصية فينيقية تيفيناغ بدل الحرف العربي التي كتبت به عبر العصور، فإذا بنا ندمجها من جديد ونعيدها الى أصلها الفينيقي العربي،
لكننا نمارس التضليل بنسبتها الى غير حقيقتها وجعل تيفيناغ غير فينيقية عربية، تكره العرب والعربية وتحاربهما.
إنه مشروع شامل ليس لإعطاء الحقوق الثقافية للأمازيغ، ولكن انحراف وتحريف المطلب وتضليل المطالبين به كحق طبيعي لتثمين هذه اللغات والثقافات المغربية البربرية، وإنصاف المجموعات البشرية المهمشة والمجالات القصية التي لا تصلها التنمية والتطور،
ولكن لتحريض المغاربة ضد بعضهم وشحنهم بالكراهية والبغضاء والتنازع بهدف تفجير الأمة. وهو هدف معروف وطبيعي لكل عدو مختلف، من واجبنا تفهم أهدافه الخسيسة وتجنب الوقوع فيها.
والصهيونية لا تخفي أهدافها التوسعية ولا يخفى ما وراء تغنيها بحب المغرب وحب الملك وكل تلك الأغاني التي تروجها من الاحتيال والمكر الكامن في الشخصية اليهودية الصهيونية التي خبرها العالم الغربي والشرقي عبر التاريخ ورفضها ولفظها.
ان اليهود المغاربة الحقيقيين يعرفون جيدا حقيقة الصهيونية وينبهون الى خطرها على شعوب العالم وعلى الشعوب العربية والإسلامية وعلى الشعب المغربي تحديدا، وينبهون إلى ما تبيته له اليوم وغدا. ويعرفون مخططاتها الإجرامية ومناهجها الاحتيالية الماكرة ويقاومونها مع المغاربة ومع المثقفين والمفكرين والفعاليات اليهودية النظيفة المؤمنة بحقوق الإنسان والعدالة في العالم.
كذلك فإن الفكر الاستعماري الذي يتغذى على ثروات الشعوب أمثالنا ليس من مصلحته استقرار الأمن والسلام والتنمية في مستعمراته القديمة وفي البلدان النامية أو المتخلفة، بله البلاد الإسلامية التي يتربص بحضارتها وثرواتها، وهو يعاني حاليا اقتصاديا واجتماعيا وتنمويا من فقد مستعمراته وثرواتها المادية ومن الحاجة الى تلك الثروات المادية، وإلى الطاقات البشرية لهذه الشعوب، ليس كبشر أنداد لهم حقوق كما يفترض انه هو الحال الآن، بل كأقنان ورقيق وعبيد وخدم يساقون بالحديد والنار ويخدمون الكبار.
ان الحضارة الغربية قامت على الاستعباد والنهب. وبالرغم مما تنهبه حاليا من ثروات الشعوب، وما تجوعه وتستعبده من طاقات من جهات الأرض السبعة، فهي ترى نفسها فوق البشر، وتحتاج الى التميز والقوة والهيمنة والتحكم والعبيد. وتبني المخططات للعودة ليس الى الاستعمار الشنيع الجشع الآثم القديم، بل لما هو أشنع وأبشع وأجشع، وعصابة ابستين كشفت عن قليل مما سوف يتضح من حقائق مروعة.
بعض الحركات الأمازيغية تعتبر الولادة في قبيلة أو منطقة أمازيغية والتحدث بالأمازيغية مرجعية للانتماء إلى الأمازيغ، كما أن الولادة في قبيلة أو منطقة عربية والتحدث بالعربية مرجعية الانتماء الى العروبة والعرب والعربية.
وهذا منتهى الخلل الفكري والتناقض سيما أنهم يرجعون الأمازيغ الى تاريخ سحيق، فيما هم اليوم يصنفونهم انطلاقا من تاريخ جديد بل تاريخ معاصر حال، دون أن يعرفوا شيئا عن حقيقة أصولهم وعما تقلب فيه هؤلاء الأفراد والمجموعات من ظروف وعلاقات وتقلبات قبل شهور وسنوات وأجيال وعقود، وقبل قرون وقرون طويلة لا تحفظ أي منها التواريخ والأخبار والأحداث سوى بنسبة كبيرة من الخطأ إن حفظت شيئا مكتوبا. والحقيقة لا تكتب أبدا، ولا سبيل الى معرفتها إلا بالتآويل التي لا تسمح بالتمييز أبدا، أو الوصول الى حقيقة مطلقة حتى بالنسبة للباحثين والأركيولوجيبن المتخصصين.
الفرد أينما كان ابن ما يختاره أو ينتمي إليه ويسكن اليه ويسكن فيه، كائنا أو مكانا أو أرضا، أو أينما وجد دون أن يملك تغيير مكان وجوده فيترحل ويقيم، أو يتنقل ويغير انتماءه يتبعه نسله، فيتوطن ويستوطن وينتمي، أو ينسحب أو يتنصل حسب الظروف والشروط غير القابلة للتحديد والضبط والتقعيد. إن المغاربة جميعا أينما كانوا في تفاصيل التراب المغربي على اختلاف لغاتهم وتكوينهم وتربيتهم وتعليمهم وتحضرهم برابرة أقحاحا، وعربا أقحاحا. عاشوا أحرارا في اختياراتهم وعلاقاتهم ومعاملاتهم، متفتحين مسالمين يتنقلون في الأرض. كما داوموا على استقبال الآخر من أقصى وأدنى الأرض، يرحبون ويندمجون ويبنون السلام مع غير المعتدين مهما كانت أصولهم أو معتقداتهم، ويندمجون ويتوحدون في الأرض والوطن، لا يبحثون في التفرقة وعن التفرقة ولا يتفرقون. وينظمون أنفسهم ومعاملاتهم بينهم سواء كانوا عربا أو برابرا، في الجبال كما في البطاح والوهاد على أساس تضامني فيما يسمى (الجماعة) التي تتعاون وتنظم إدارة شؤونها وحماية نفسها وممتلكاتها وضبط أمنها الخاص في إطار التعاون مع محيطها القريب أو البعيد، ليكونوا جميعا المغرب الآمن المتجانس المنسجم.
نظام الجماعة والقوانين العرفية ليست خاصة بالأمازيغ بل نظام شامل لدى القبائل المغربية البربرية كما العربية. ولم تتوحد الأحكام في المغرب إلا بعد نشر المحاكم والقضاة في المغرب وما زالت كثير من النظم العرفية سيارة في القرى المغربية العربية والبربرية على السواء يرجع إليها القضاة أنفسهم والنظام القضائي.
لم يكن للدول التي توالت على المغرب حكم أو سلطة مباشرة على المناطق والجهات سوى بشكل رمزي، اذ كان الحكم الذاتي سائدا، بذلك لتأكيد الانضمام الى السلطة المركزية كانت الجهات البعيدة ترسل في مناسبات معينة أو مختلفة بعثات لتأكيد البيعة وتنسيق المواقف مع السلطات المركزية كنوع من التحالف الضامن لأمن الجهات والقبائل واستقرارها ورفاهها.
اتقوا الله في بلادكم
مالكة العاصمي
مراكش 12 يونيو 2026





