
كش بريس/ التحرير ـ
فقدت الساحة الثقافية والأكاديمية المغربية، برحيل الباحث والمؤرخ الأستاذ حميد التريكي، أحد أبرز الأسماء التي كرست مسارها العلمي لخدمة التراث المغربي والأندلسي، والدفاع عن الذاكرة التاريخية والعمرانية للمملكة، من خلال أبحاث ودراسات ومؤلفات شكلت مراجع أساسية في تاريخ المدن، والتراث المادي واللامادي، وفنون العمارة والخزف، والمسالك الروحية.
ويعد الراحل من أبرز الخبراء المغاربة في مجال التراث، إذ راكم تجربة علمية امتدت لعقود، جمع خلالها بين البحث الأكاديمي والعمل الميداني والتوثيق التاريخي، ما أهله ليتولى مهام استشارية لدى عدد من المؤسسات الدولية المتخصصة في صون التراث. فقد شغل، على مدى عشر سنوات، منصب مستشار أكاديمي لدى مؤسسة El Legado Andalusí بمدينة غرناطة، كما تعاون بصفته خبيرا علميا مع مؤسسة العالم العربي بباريس، ومؤسسة Aga Khan للهندسة المعمارية بجنيف.
وحظيت إسهاماته البحثية بتقدير دولي، تُوج بحصوله على الميدالية الكبرى للفنون والعلوم والآداب من أكاديمية باريس، إلى جانب نيله جائزة Grand Atlas التي تمنحها السفارة الفرنسية بالمغرب، عن مؤلفه المرجعي حول المدرسة العتيقة بمراكش “Médersa de Marrakech”.
وترك الراحل رصيدا علميا تجاوز اثني عشر مؤلفا، تناولت تاريخ المدن المغربية وتحولاتها الحضارية. ومن أبرز أعماله كتاب “Fès… mille deux ans d’histoire” الصادر سنة 2008، وكتاب “Fès… l’âme du Maroc” الصادر سنة 2015، إلى جانب مؤلفه حول مدينة مراكش “Marrakech… Histoire et monuments”، فضلا عن كتابه المرجعي حول مدينة آسفي وخزفها “La colline des potiers… Histoire de la ville de Safi et de sa céramique”، وكتابه الوثائقي “Maroc… Magie des lieux” الذي أنجزه بتعاون مع مؤسسة العالم العربي بباريس.
وكان الراحل يواصل، حتى السنوات الأخيرة، مشروعه البحثي حول قصر الحمراء بالأندلس، وهو عمل تطلب سنوات طويلة من البحث والتوثيق، ليضاف إلى مساره العلمي الحافل بخدمة الذاكرة المشتركة بين المغرب والأندلس.
وبمدينة آسفي، ارتبط اسم الأستاذ حميد التريكي بعدد من المبادرات الثقافية الرائدة، باعتباره أحد مؤسسي جمعية “ذاكرة آسفي”، حيث ساهم في إنجاز مشروع توثيقي غير مسبوق استغرق ثلاث سنوات من البحث، وانتهى بإعداد معرض متنقل يوثق لألف سنة من تاريخ حاضرة المحيط. كما كان من أبرز المساهمين في مشروع جرد وتصنيف المعالم التاريخية للمدينة، وإعداد خريطة للتشوير السياحي، إلى جانب إصدار كتابه المرجعي “Céramique de Safi entre histoire et gestes ancestraux” الذي وثق لذاكرة الخزف الآسفي وأصالته.
وامتد اهتمام الراحل إلى قضايا المحافظة على التراث، حيث نسج شراكات علمية مع جامعة إيفورا البرتغالية لتوفير الخبرة التقنية اللازمة لإنقاذ معلمة قصر البحر بمدينة آسفي، كما انخرط في جهود علمية متواصلة لتثمين المسالك الروحية بالمدينة، خاصة رباط الشيخ ورباط سيدي شيكر، وسعى لدى منظمة اليونسكو إلى دعم ملف تصنيف خزف آسفي ضمن قوائم التراث الإنساني.
برحيل الأستاذ حميد التريكي، يفقد المغرب واحدا من أبرز حراس ذاكرته التاريخية، وباحثا آمن بأن التراث ليس مجرد ماض محفوظ في الكتب، بل هو هوية حية تستحق البحث والتوثيق والحماية، لتظل أعماله شاهدة على مسيرة علمية استثنائية كرست العمر لخدمة التاريخ والثقافة والإنسان.
رحم الله الأستاذ حميد التريكي، وأسكنه فسيح جناته، وألهم أسرته وطلابه ومحبيه جميل الصبر والسلوان.





