
كش بريس/التحرير ـ
تكشف أرقام وزارة التشغيل والحوار الاجتماعي عن مفارقة لافتة في سوق الشغل المغربية: ارتفاع الحاجة إلى الاحتفاظ بالأجراء بعد بلوغ سن التقاعد، مقابل استمرار عجز الاقتصاد عن توفير فرص شغل كافية للشباب، في وقت بلغ فيه عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل نحو 2.9 مليون شخص.
المعطيات التي قدمها وزير التشغيل والحوار الاجتماعي عبد الرحيم شهيد، الخميس 5 نونبر 2026، أمام لجنة القطاعات الاجتماعية بمجلس النواب، ترسم صورة لسوق عمل تواجه ضغوطاً متزايدة، من فجوة المهارات إلى ضعف مشاركة النساء، مروراً بالهشاشة المهنية وصعوبات الإدماج.
1979 أجيراً يواصلون العمل بعد التقاعد
خلال الفترة الممتدة من شتنبر 2024 إلى أكتوبر 2026، درست الوزارة 2055 طلباً لتمديد العمل بعد بلوغ سن التقاعد، وافقت على 1979 منها.
وتؤكد هذه الأرقام أن تمديد النشاط المهني أصبح خياراً متزايد الحضور داخل سوق العمل، خصوصاً بالنسبة إلى المقاولات التي تحتاج إلى الحفاظ على الخبرات والكفاءات المتراكمة.
وخلال سنة 2025، تمت دراسة 742 طلباً، قُبل منها 713، بينما بلغت الطلبات المدروسة خلال الأشهر العشرة الأولى من 2026 ما مجموعه 662 طلباً، تمت الموافقة على 649 منها.
المغرب يستقبل آلاف الأجراء الأجانب
وفي موازاة ذلك، واصلت المملكة تدبير تدفقات الهجرة المهنية، حيث تم خلال سنة 2025 توقيع 6671 عقد شغل لفائدة أجراء أجانب، مقابل 6318 عقداً سنة 2024.
وتعكس هذه الأرقام استمرار حاجة بعض القطاعات إلى كفاءات وعمال من خارج المغرب، في وقت يسعى فيه سوق الشغل الوطني إلى معالجة اختلالات مرتبطة بالتكوين والمهارات والإدماج.
2.9 مليون شاب خارج التعليم والعمل
المفارقة الأكثر إثارة للانتباه تظهر في وضعية الشباب. فقد حذرت الوزارة من استمرار ارتفاع عدد الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل، والذي يناهز 2.9 مليون شاب.
ويتزامن ذلك مع استمرار الفجوة بين الكفاءات التي توفرها منظومة التكوين والمؤهلات التي تحتاج إليها المقاولات، فضلاً عن صعوبة إدماج غير الحاصلين على شهادات في سوق عمل يزداد طلباً على المهارات التقنية والمهنية.
مشاركة النساء لا تتجاوز 18.1%
وتظل مشاركة النساء في النشاط الاقتصادي من أكبر نقاط الضعف في سوق الشغل المغربية، إذ لا تتجاوز، وفق المعطيات التي عرضتها الوزارة، 18.1 في المائة.
وتضع هذه النسبة مسألة رفع المشاركة الاقتصادية للنساء ضمن الملفات التي تحتاج إلى معالجة تتجاوز برامج التشغيل التقليدية، نحو سياسات أكثر ارتباطاً بظروف العمل والحماية الاجتماعية وتوزيع الفرص بين المجالات والجهات.
النمو لا يخلق ما يكفي من الوظائف
وتقر الوزارة بأن قدرة النمو الاقتصادي والاستثمار على إنتاج فرص شغل كافية ولائقة ومستدامة ما تزال دون مستوى التحديات المطروحة.
وتزداد صعوبة الوضع مع استمرار الهشاشة المهنية، والتفاوت في الولوج إلى فرص العمل بين الجهات، وصعوبة الوصول إلى الوظائف في المناطق البعيدة، فضلاً عن تحديات استدامة المناصب والحماية الاجتماعية.
تشريع الشغل أمام اختبار التحولات الجديدة
وتضع الوزارة تحديث تشريع الشغل ضمن أولويات المرحلة المقبلة، لمواكبة التحولات الاقتصادية والتكنولوجية، إلى جانب توسيع التشغيل المهيكل، وتحسين ظروف العمل، وتشديد الوقاية من المخاطر المهنية وتقوية التفتيش.
كما تراهن على تطوير الحوار الاجتماعي، وتعزيز الثقة بين الشركاء الاجتماعيين، وتحسين حكامة العلاقات المهنية، مع الحفاظ على توازن بين حماية حقوق الأجراء وقدرة المقاولات على المنافسة.
سوق الشغل يحتاج إلى «رادار» جديد
ومن بين الملفات التي تراهن الوزارة على تطويرها، رصد سوق الشغل وإنتاج معطيات دقيقة ومحينة حول حاجيات المقاولات وديناميات التشغيل.
وتشمل الأولويات تطوير أدوات استباق حاجيات السوق، وربط التكوين بالتحولات الاقتصادية والتكنولوجية، وتحسين قابلية مقارنة المعطيات بين الجهات، وقياس أثر برامج التشغيل على الإدماج المهني المستدام.
الإدارة نفسها أمام ورش الإصلاح
ولا تقتصر التحديات على سوق الشغل، إذ تواجه وزارة التشغيل أوراشاً داخلية تتعلق بإعادة تنظيم مصالحها، وتوضيح الاختصاصات، ومعالجة الخصاص في المديريات الجهوية، وتقوية المصالح اللاممركزة.
كما تفرض الرقمنة تطوير نظم المعلومات ورقمنة التدبير الإداري، إلى جانب تحسين التتبع والمراقبة الداخلية وتسوية الأرصدة القديمة والصفقات المتعثرة وتسريع إجراءات التأشير والتسوية والأداء.
التحدي الأكبر: صناعة وظائف لا مجرد تدبير البطالة
وتضع هذه المعطيات الحكومة أمام معادلة صعبة: كيف يمكن رفع القدرة على خلق وظائف مستدامة، في الوقت الذي تحتاج فيه قطاعات إلى تمديد عمل أصحاب الخبرة وتستقطب أخرى اليد العاملة الأجنبية، بينما يوجد ملايين الشباب خارج التعليم والتكوين والشغل؟
فالرهان المطروح أمام وزارة التشغيل لم يعد مرتبطاً فقط بعدد المناصب التي يمكن خلقها، وإنما بقدرة الاقتصاد على إنتاج وظائف لائقة ومستدامة، تستجيب لمهارات المستقبل، وتقلص الفوارق بين الجنسين والجهات، وتمنح الشباب موقعاً فعلياً داخل الدورة الاقتصادية.





