
كش بريس/التحرير ـ
مرت أكثر من سبعة أيام على تحول عدد من شوارع وأزقة حي المحاميد، أكبر الأحياء السكنية بمدينة مراكش والتابع لمقاطعة المنارة، إلى فضاءات تغمرها أكوام النفايات، في مشهد يختزل حجم الارتباك الذي يطبع تدبير أحد أكثر المرافق العمومية التصاقاً بالحياة اليومية للمواطنين. وخلال هذه الفترة، لم ينجح المنتخبون، ولا المصالح الجماعية، ولا حتى السلطات الولائية، في إعادة الوضع إلى طبيعته، بينما كانت الروائح الكريهة والأزبال تسبق كل خطاب رسمي عن الحكامة وجودة الخدمات.
وما يثير الاستغراب أن الأزمة، رغم امتدادها لأيام، لم تُقابل بإجراءات استثنائية أو تدخلات ميدانية حاسمة، بقدر ما قوبلت بسيل من التصريحات المتضاربة وتبادل غير مباشر للمسؤوليات، وكأن المدينة مطالبة بالتعايش مع النفايات إلى أن تنتهي البلاغات من تبرير ما وقع.
وفي خضم هذا المشهد، خرج المجلس الجماعي لمراكش ببلاغ إخباري حاول من خلاله تفسير الأزمة، معتبراً أن تراكم النفايات يعود، وفق رواية الشركة المفوض لها تدبير القطاع، إلى “تعطل مفاجئ ومتزامن” لعدد من شاحنات جمع النفايات.
غير أن هذا التبرير يطرح أسئلة أكثر مما يقدم أجوبة. فكيف يمكن لمدينة بحجم مراكش، التي تراهن على صورتها كوجهة سياحية عالمية، أن تصبح رهينة أعطاب تقنية أصابت أسطول شركة واحدة؟ وأين خطط الطوارئ التي يفترض أن يتضمنها عقد التدبير المفوض؟ وهل يعقل أن يتوقف مرفق حيوي بهذا الحجم بسبب أعطال ميكانيكية، دون وجود بدائل جاهزة أو وسائل تدخل فوري؟
وأوضح المجلس أنه فعّل آليات المراقبة وتتبع أداء الشركة، وشرع في مسطرة فرض الغرامات والجزاءات المنصوص عليها في دفتر التحملات، كما أشار إلى أن الشركة لجأت إلى كراء شاحنات إضافية لتدارك الخصاص.
لكن هذه الإجراءات تبدو، بالنسبة للساكنة، متأخرة أكثر من كونها حاسمة. فالغرامات، مهما بلغت قيمتها، لا ترفع الأزبال من الشوارع، ولا تمحو آثار الإهمال التي ظلت شاهدة لأيام على عجز واضح في تدبير مرفق أساسي. أما الحديث عن كراء شاحنات بعد تفاقم الأزمة، فلا يعدو أن يكون تدبيراً اضطرارياً كان يفترض اللجوء إليه منذ الساعات الأولى للأزمة، لا بعد أن تحولت أكوام النفايات إلى مشهد يومي.
ويزيد من حدة الانتقادات أن البلاغ وصف ما حدث بأنه “عطب تقني خارج عن إرادة الجماعة”، في صيغة قد تُفهم باعتبارها محاولة لإبعاد المسؤولية السياسية والإدارية عن المجلس. غير أن مبدأ التدبير المفوض لا يعفي السلطة المفوضة من مسؤولية ضمان استمرارية المرفق العمومي، بل يجعلها أول جهة مطالبة بالتدخل حين يعجز المفوض له عن الوفاء بالتزاماته.
إن ما يجري في حي المحاميد لم يعد مجرد أزمة نظافة عابرة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لقدرة المؤسسات المحلية على تدبير الأزمات، ولنجاعة منظومة التدبير المفوض برمتها. فالمدينة التي تستعد باستمرار لاستقبال تظاهرات دولية، وتسوق نفسها باعتبارها واجهة حضارية للمغرب، لا يمكن أن تقبل بأن تصبح بعض أحيائها رهينة أعطال تقنية، أو أن يُختزل حق المواطنين في بيئة سليمة في بلاغات تبريرية ووعود بالعودة إلى الوضع الطبيعي “في أقرب الآجال”. فالمواطن لا ينتظر مزيداً من التفسيرات، بل ينتظر إدارة تتوقع الأزمات قبل وقوعها، وتملك من الكفاءة والجاهزية ما يجعلها قادرة على منعها، لا الاكتفاء بتفسيرها بعد استفحالها.





