‏آخر المستجداتالمجتمع

تقرير ينتقد مسار الحماية الاجتماعية بالمغرب: المقاربة المالية تتغلب على العدالة الاجتماعية والطبقة الوسطى تدفع الثمن

كش بريس/التحرير ـ

أثار تقرير حديث صادر عن المعهد المغربي لتحليل السياسات جملة من الملاحظات النقدية بشأن ورش الحماية الاجتماعية بالمغرب، معتبراً أن الإصلاح، رغم أهميته الاستراتيجية، يتجه تدريجياً نحو مقاربة يغلب عليها الهاجس المالي أكثر من البعد الاجتماعي، في ظل تأثير متزايد لتوصيات المؤسسات المالية الدولية التي تعطي الأولوية لاستقرار المؤشرات الماكرو-اقتصادية على حساب توسيع مظلة الحماية الاجتماعية.

ويرى التقرير أن الهندسة الحالية للإصلاح تعكس انتقال الدولة من دور الضامن الشامل للحقوق الاجتماعية إلى نموذج يركز على استهداف الفئات الأكثر هشاشة بأقل تكلفة ممكنة، مع الإبقاء على جزء واسع من المواطنين خارج دائرة الدعم المباشر.

شبكات أمان محدودة وإقصاء لفئات واسعة

بحسب التقرير، اعتمدت السياسات العمومية خلال تنزيل ورش الحماية الاجتماعية على تقليص قاعدة المستفيدين من برامج الدعم، مقابل توسيع نظام الاشتراكات ليشمل حتى الفئات التي تعاني أوضاعاً اقتصادية غير مستقرة، وهو ما يجعل جزءاً مهماً من المواطنين مطالباً بالمساهمة في التمويل دون الاستفادة من أشكال الحماية المناسبة.

كما سجل التقرير غياب التزامات واضحة بتوجيه الموارد المتأتية من الإصلاحات الجبائية أو من إعادة هيكلة صندوق المقاصة نحو تمويل السياسات الاجتماعية، معتبراً أن هذه الموارد تظل معرضة لأن توجه أساساً إلى الحفاظ على توازنات الميزانية العامة.

الطبقة الوسطى… الحلقة الأكثر هشاشة

ومن أبرز خلاصات التقرير أن الطبقة الوسطى أصبحت في صلب الضغوط التي يفرزها نموذج التمويل الحالي.

وأوضح أن التقليص التدريجي لدعم المواد الأساسية عبر إصلاح صندوق المقاصة سيدفع هذه الفئة إلى اقتناء احتياجاتها وفق أسعار السوق، دون أن تكون مشمولة ببرامج الدعم المباشر، الأمر الذي قد يؤدي، خاصة بالنسبة إلى الشرائح الدنيا منها، إلى الانزلاق نحو الهشاشة والفقر، في سياق يتسم أصلاً باستمرار آثار تحرير أسعار المحروقات منذ سنة 2015.

وأضاف أن الطبقة الوسطى مطالبة أيضاً بالمساهمة في تمويل البرامج الاجتماعية من خلال أعباء ضريبية إضافية، مستحضراً النقاش الذي رافق مشروع قانون المالية لسنة 2021 بشأن المساهمة الاجتماعية للتضامن، قبل رفع عتبة الخضوع لها من 10 آلاف إلى 20 ألف درهم شهرياً.

الخوارزميات تحدد المستحقين للدعم

وانتقد التقرير اعتماد مؤشرات رقمية وخوارزميات لتحديد الأسر المؤهلة للاستفادة من برامج الدعم الاجتماعي، معتبراً أن هذا الأسلوب قد يفرز حالات إقصاء لا تعكس الواقع الاجتماعي الحقيقي للأسر.

وأشار إلى أن امتلاك بعض التجهيزات المنزلية البسيطة، أو تجاوز فواتير الماء والكهرباء سقفاً معيناً، أو حتى تعبئة رصيد هاتفي بقيمة محدودة، قد يؤدي إلى رفع المؤشر الاجتماعي للأسرة بشكل يجعلها خارج دائرة الاستفادة من برامج مثل “أمو تضامن” أو الدعم الاجتماعي المباشر.

ويرى التقرير أن هذا الوضع قد يدفع عدداً من الأسر إلى تغيير سلوكها الاستهلاكي بشكل قسري، عبر تقليص الإنفاق على حاجيات أساسية، أو الانتقال إلى مساكن أقل جودة، أو الحد من استهلاك الماء والكهرباء، تفادياً لفقدان الحق في الاستفادة من برامج الدعم، وهو ما ينعكس، بحسب التقرير، على جودة الحياة وعلى أوضاع الأطفال بشكل خاص.

الاقتصاد غير المهيكل… معضلة مزدوجة

وسلط التقرير الضوء على العلاقة المعقدة بين منظومة الحماية الاجتماعية والقطاع غير المهيكل، معتبراً أن هذا القطاع يمثل في الوقت نفسه فرصة لتوسيع قاعدة المساهمين، وعائقاً أمام تحقيق هذا الهدف.

وأوضح أن عدداً من العاملين في الأنشطة غير المهيكلة يتجنبون التصريح الحقيقي بمداخيلهم أو ممتلكاتهم خوفاً من فقدان الاستفادة من برامج الدعم، وهو ما ينعكس في انتشار ممارسات مثل الاحتفاظ بالسيولة خارج النظام البنكي، أو بيع الأصول المسجلة، أو الانتقال من الأنشطة المنظمة إلى الاقتصاد غير الرسمي.

التغطية الصحية تتوسع… لكن البنية الاستشفائية لا تواكب

وفي الجانب الصحي، اعتبر التقرير أن توسيع قاعدة المستفيدين من التأمين الإجباري الأساسي عن المرض لن يحقق أهدافه إذا لم يواكبه تطوير ملموس للعرض الصحي العمومي.

وأشار إلى أن المغرب يتوفر على نحو 170 مؤسسة استشفائية فقط، أي بمعدل مؤسسة واحدة لكل حوالي 216 ألف نسمة، مع استمرار التفاوتات المجالية في توزيع الخدمات الصحية، الأمر الذي يطرح تحديات حقيقية أمام استيعاب الطلب المتزايد الناتج عن تعميم التغطية الصحية.

المصحات الخاصة المستفيد الأكبر

وفي المقابل، سجل التقرير تنامياً سريعاً للاستثمار في القطاع الصحي الخاص، مستفيداً من ارتفاع عدد المؤمنين ومن التسهيلات التنظيمية الممنوحة للمصحات.

وأوضح أن المؤسسات الصحية الخاصة أصبحت تستحوذ على نحو 74 في المائة من النفقات المؤداة في إطار التأمين الإجباري عن المرض، بينما لا تتجاوز حصة المستشفيات العمومية ربع هذه النفقات تقريباً، معتبراً أن هذا الواقع يجعل القطاع الخاص أكبر المستفيدين من التمويل العمومي المخصص للتغطية الصحية، دون أن ينعكس ذلك، بالضرورة، على تحسين جودة الخدمات أو تعزيز مبادئ الإنصاف والشفافية.

دعوة إلى مراجعة فلسفة الإصلاح

ويخلص التقرير إلى أن نجاح ورش الحماية الاجتماعية لن يقاس فقط بتوسيع عدد المستفيدين أو إطلاق برامج جديدة، بل بمدى قدرته على ترسيخ العدالة الاجتماعية وتقليص الفوارق وتعزيز الخدمات العمومية. ويرى أن تحقيق هذه الأهداف يقتضي مراجعة آليات الاستهداف والتمويل، وضمان ألا تتحول اعتبارات التوازنات المالية إلى عامل يحد من فعالية أحد أكبر الأوراش الاجتماعية التي يشهدها المغرب خلال العقود الأخيرة.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button