
كش بريس/التحرير ـ
كشف تقرير حديث للبنك الدولي أن برنامج إصلاح التعليم العالي والبحث العلمي في المغرب يواصل تسجيل مؤشرات إيجابية في عدد من الأوراش الاستراتيجية، خاصة ما يتعلق بتوسيع الولوج إلى التكوينات الجديدة، غير أن عدداً من الإصلاحات الهيكلية لا يزال يعرف وتيرة تنفيذ أبطأ من المتوقع، لاسيما في مجالات تشغيل الخريجين، وإصدار الشهادات المهنية، والحكامة الجامعية.
وأوضح التقرير، الصادر في 14 يوليوز 2026، أن تنفيذ البرنامج يسير بوتيرة وصفت بـ”المرضية” على مستوى تحقيق الأهداف العامة، مع استمرار بعض الإكراهات التي تؤثر على استكمال عدد من مكوناته قبل الآجال المحددة.
إقبال واسع على وحدات اللغات والمهارات
وسجل التقرير تجاوز عدد الطلبة المستفيدين من وحدات اللغات والمهارات الرقمية والناعمة وريادة الأعمال للأهداف المسطرة، إذ بلغ إلى غاية 15 يونيو 2026 نحو 861 ألفاً و490 طالباً، متخطياً السقف النهائي المحدد في 650 ألف طالب بحلول سنة 2029.
ورغم هذا الإقبال الكبير، أشار البنك الدولي إلى أن الجامعات لم تصدر بعد أي شهادة معتمدة في مجالي اللغات أو المهارات الرقمية، رغم أن البرنامج يستهدف تمكين 200 ألف طالب من هذه الشهادات، موضحاً أن أولى الدفعات المنتظر اعتمادها ستكون مع نهاية الموسم الجامعي 2025-2026.
تقدم محدود في ربط التكوين بسوق الشغل
وفي ما يتعلق بتأهيل الموارد البشرية وفق حاجيات الاقتصاد الوطني، ارتفع عدد خريجي المسالك ذات الأولوية، خصوصاً في مجالي التربية والرقمنة، إلى نحو 17 ألف خريج، مقابل 15 ألفاً نهاية سنة 2025، بينما يطمح البرنامج إلى بلوغ 55 ألف خريج مع نهاية المشروع.
في المقابل، أبرز التقرير أن الآلية الوطنية الخاصة بتتبع قابلية تشغيل خريجي الجامعات لم تدخل مرحلة التنفيذ بعد، رغم استكمال دراسة الجدوى واعتماد استراتيجية للتوجيه وإعادة التوجيه ومواكبة الإدماج المهني، مشيراً إلى أن وزارة التعليم العالي تعتزم الاستعانة بخبرة تقنية لتفعيل هذا الورش.
كما لفت التقرير إلى أن منصة التوجيه والتسجيل القبلي الجامعي أصبحت جاهزة بالنسبة للمسالك ذات الولوج المحدود، في حين لا يزال تعميمها على باقي التكوينات الجامعية مفتوحة الولوج قيد الإنجاز.
البحث العلمي: مؤشرات إيجابية وأهداف لم تتحقق بعد
وفي محور البحث العلمي، بلغ عدد المسجلين في برنامج الدكتوراه “الجيل الجديد” ضمن التخصصات ذات الأولوية 1908 طلبة باحثين، أي ما يقارب نصف الهدف النهائي المحدد في أربعة آلاف طالب.
كما استفاد 430 طالب دكتوراه من برامج الحركية الدولية، وهو ما يمثل حوالي 86 في المائة من الهدف المسطر، غير أن هذه النتيجة لا تزال في انتظار المصادقة النهائية.
وعلى مستوى البحث العلمي الموضوعاتي، جرى اختيار 13 فريقاً بحثياً للانضمام إلى أول شبكة وطنية لمعاهد البحث المخصصة لقضايا الماء، مقابل هدف يبلغ 30 فريقاً، بينما لم يسجل البرنامج بعد أي مشروع بحثي دولي، رغم استهداف إنجاز 12 مشروعاً خلال فترة التنفيذ.
الحكامة الجامعية.. تقدم جزئي وتأخر في الإصلاحات المالية
وفي جانب الحكامة، أشار التقرير إلى أن الجامعات العمومية الاثنتي عشرة وقعت عقود تطوير مع وزارة التعليم العالي خلال نونبر 2025، غير أن أياً منها لم يحقق بعد مؤشرات الأداء السنوية المنصوص عليها في هذه العقود.
كما لم تعتمد الجامعات حتى الآن الدليل الموحد للمساطر الإدارية والمالية والمحاسبية والصفقات، رغم انتهاء الأجل المحدد لذلك، مرجعاً التأخر إلى الحاجة لاستكمال مراجعة الوثائق التقنية قبل اعتمادها النهائي.
وسجل التقرير أيضاً غياب تفعيل وحدات التدقيق الداخلي ولجان الافتحاص في الجامعات المستهدفة، في وقت تمكنت فيه 12 جامعة عمومية من رفع نسبة تمويل نفقاتها الذاتية إلى ما يفوق 2 في المائة، متجاوزة بذلك الهدف الأصلي الذي كان يقتصر على ست جامعات.
تحديات في التدبير والحماية الاجتماعية
ورصد البنك الدولي استمرار التأخر في إعداد التقارير الدورية الخاصة بالصفقات العمومية والتدبير المالي، مؤكداً أن الوزارة تعمل، بتنسيق مع المؤسسة المالية الدولية، على تبسيط آليات إعدادها وتجميعها.
كما أدرج التقرير إعداد خطة وطنية للوقاية والتدخل ضد الاستغلال والاعتداء والتحرش الجنسي ضمن الإجراءات المتعثرة، بسبب تأخر تعبئة الدعم التقني اللازم لإنجازها.
وفي الشق الاجتماعي، سجل التقرير اعتماد آلية جديدة لتحديد المستفيدين من المنح الجامعية اعتماداً على السجل الاجتماعي الموحد، بينما لا يزال تقييم فعالية هذه الآلية قيد الإنجاز.
في المقابل، توقف تنفيذ مبادرة “LeaderSHE” الموجهة لدعم الطالبات، رغم أنها كانت تستهدف استفادة 200 طالبة من برامجها.
ارتفاع غير مسبوق في إقبال الطالبات على التخصصات العلمية
ومن أبرز المؤشرات الإيجابية التي رصدها التقرير، تسجيل 37 ألفاً و23 طالبة إضافية في تخصصات العلوم والتكنولوجيا والهندسة والرياضيات خلال الموسم الجامعي 2024-2025، وهو رقم يفوق بأكثر من أربعة أضعاف الهدف النهائي المحدد في 7500 طالبة، في انتظار صدور معطيات الموسم الجامعي الحالي.
تمويل مستمر وتقييم إيجابي رغم ارتفاع مستوى المخاطر
وعلى المستوى المالي، بلغت القيمة الإجمالية المعدلة لتمويل البرنامج 321.79 مليون دولار، صرف منها إلى حدود الآن 141 مليون دولار، أي ما يعادل 43.8 في المائة من الميزانية، فيما لا تزال 180.8 مليون دولار في انتظار الصرف، مع استمرار تنفيذ المشروع إلى غاية 30 أبريل 2029.
وفي تقييمه العام، حافظ البنك الدولي على تصنيف “مرضٍ” للتقدم المحرز في بلوغ أهداف البرنامج، و**”مرضٍ إلى حد ما”** بالنسبة لمستوى التنفيذ، مع الإبقاء على تصنيف المخاطر في مستوى “مرتفع”، بسبب التحديات المرتبطة بالقدرات المؤسساتية، واستدامة الإصلاحات، والحكامة المالية، وهي ملفات يعتبرها التقرير حاسمة لإنجاح التحول المنشود في منظومة التعليم العالي والبحث العلمي بالمغرب.





