
أولا: ينبغي التدقيق في ما نقصده ب ”الهوية”، حتى يكون تناول الموضوع واضحا، وبعيدا عن الجدال الفلسفي والسجال المنطقي حول مفهوم الهوية فإننا نقصد بالهوية كل ما تتميّز به جماعة بشرية معينة(شعب – قوم – أمة – طبقة – فئة – حزب …) من خصائص:
ثقافية بالدرجة الاولى(اللغة – الدين – الوطن – قيم – فنّ – الفكر- عوائد -مؤسسات- المعارف – المهارات..)، ومميزات طبيعية بدرجة ثانية( الارض – العرق -القبيلة- الطائفة – الجنس – اللون ..) عن باقي الجماعات البشرية، المجاورة لها أو المحتكة بها أو المتفاعلة معها أوالبعيدة عنها.
وهنا وجب التمييز بين :
-الهويات الجامعة والكُليّة التي غالبا ما تتأسّس على المُشترَك الثقافي المُكتسَب( اللغة – الدين – الوطن – القيم -المعارف -الأفكار -آساليب الانتاج – التقاليد – العوائد- نمط الحياة – المهارات- المؤسسات ..) التي
تُميّز لكي تَجمَع أكثر مِمّا تُمَيّزُ لكي تُفرّق، من جهة.
– الهويات الفرعية – الفارقية والأقلوية القائمة غالبا على المشترك الطبيعي الغريزي( الأرض – العرق – الطائفة – القبيلة – الجنس – اللون – النوع..) الذي يُميّز لكي يُفرّق أكثر مِمّا يجمع.
وعلاقة الهوية بالثقافة هي علاقة الجزء المُتَمَيِّز وبالكّل المُشتَرَك، الهويّة هي ما يُمَيز ثقافة جماعة بشرية معينة عن ثقافات جماعات أخرى، وليست ما يجمع بينها وما تتشارك فيه، فقد تتشارك وتلتقي الجماعات والشعوب والأمم في الكثير من مظاهر ثقافاتها، لكنها تختلف وتفترق وتتميز في هُوياتها.
ولذا قد تُساهم الأرض والطبيعة (الجغرافيا) في تشكيل ثقافات الشعوب ولكنها لا تُساهم في صياغة هُوياتها. ولنا في ذلك العديدة من الأمثلة التي سبق لبعض الأصدقاءأن طرحوها في إطار نقاشات سابقة:
1- في المناطق الصحراوية في كل بقاع العالم تدفع طبيعة الأرض ونوع المناخ الحار والجاف، بحكم الموقع الجغرافي بالمجتمعات الصحراوية إلى اختراع و بناء تقاليد ونمط حياة تتكيف مع ندرة المياه، وحياة الترحال في ظل المناخ الحار والجاف ودرجة الحرارة القصوى. وهذا ما يجعل هذه المجتمعات رغم تعدّدها وبعد بعضها عن بعض متشابهة في أنماط حياتها ومتماثلة في ثقافاتها، ولكنها تختلف في هوّياتها.
فالصحاري موجودة في إفريقيا وفي جزيرة العرب وفي آسيا الوسطى وفي القارة الأمريكية وفي أستراليا، وهذا ما جعل نمط عيش وثقافة الشعوب والمجتمعات متشابهة، إن لم تكن واحدة، ولكن ذلك لم يجعل هُويّاتها متشابهة على مستوى الألسن واللغات والأديان والعقائد والأوطان والعوائد والمؤسسات والتنظيمات، فرحّل الصحراء الكبرى بإفريقيا وصحراوي آسيا الوسطى وصحراء نيفادا وصحراء أستراليا ليس لهم نفس الهوية، وإن كانت أراضيهم متشابهة وجغرافياهم متماثلة.
2 – ونفس الأمر ينطبق على المجتمعات الجبلية والجماعات البشرية المستقرة بالجبال، فكون البيئة الجبلية(الارض- المناخ) والجغرافيا التي يعيشون فيها متشابهة ومتقاربة، لم يجعل هُوياتها( الألسن واللغات – الأديان والعقائد – الأوطان – العوائد – المؤسسات والتنظيمات – المعارف – المهارات..) واحدة ومتماثلة ولا حتى متقاربة، وحيث نلاحظ فُروقا شاسعة بين هوية ساكنة جبال الاطلس بالمغرب وساكنة جبال الهيمالايا في الصين والصين والهند وبين ساكنة جبال الألب الاوروبية، فهوياتها مختلفة ومتنوعة، رغم كون أراضيها جبلية ومتماثلة وثقافاتها(نمط العيش) متقاربة. وأكثر من ذلك نجد الاختلاف على مستوى بعض جوانب الهوية حتى في المجتمعات الجبلية التي توجد أرض واحدة وداخل البَلد الواحد والدولة الواحدة والوطن الواحد، ونموذج ذلك في المغرب، الاختلاف في بعض جوانب هويات ساكنة الاطلس الكبير وساكنة الاطلس المتوسط وساكنة جبال الريف. فرغم كون الارض واحدة وظروفها الطبيعية متماثلة فإن هوياتها مختلفة ومتنوعة .
3 – وهذا ما يسري ويجري على الجماعات البشرية والمجتمعات الساحلية، فكونها تعيش على أراضي متماثلة وفي ظروف مناخية متشابهة، مما جعلها تُطوّر أساليب ثقافية متشابهة، إلا أن لها هُويات مختلفة ومتعددة. فساكنة سواحل المغرب الأطلسية ليس لها نفس هوية سواحل البحر المتوسط الاوروبية، وساكنة سواحل البحر المتوسط الجنوبية الافريقية، ليس لها نفس الهوية مع ساكنة سواحل البحر المتوسط الشمالية الاوروربية، رغم ما تروجه بعض الأقلام من حديث عن ”الهوية المتوسطية، كما تختلف جذريا هوية ساكنة السواحل الاطلسية الأمريكية عن هوية ساكنة السواحل الاطلسية الافريقية، كما تحتلف عن هوية ساكنة السواحل الصينية والهندية واليابانية وغيرها ساكنة السواحل في العتلم، رغم كون كل ساكنة هذه المناطق تستقر على أرض(جغرافيا) ساحلية، وإن كان أحد أساليب الحياة يجمع بينها.
وخلاصة القول أن الاختلاف والتنوع في الهويات بين الجماعات البشرية، رغم التشابه بينها على مستوى أنماط العيش والثقافة والتماثل في آساليب الانتاج والقرب الجغرافي(الأرض)، وأحيانا هناك اختلاف في الهوية حتى داخل الارض والجغرافيا الواحدة، يعود في الحقيقة إلى عوامل مرتبطة بالانسان(الديموغرافيا) تتمثل في الألسن واللغات، والأديان والعقائد، والأوطان والعوائد والتقاليد، والمؤسسات والتنظيمات والتقنيات والمهارات، والعلم والأفكاروالمعارف، والهجرة والتجارة والعمارة، والتواصل والاتصال، والحروب والغزوات، والاحتلال والاستعمار.





