‏آخر المستجداتلحظة تفكير

محمد امين سملالي: السلوك المدني… حين تسبق البنية التحتية الإنسان

صعدت إلى البراق وأنا أعتقد أنني سأعيش تجربة تليق بقطار يحمل عنوان الحداثة، لكنني اكتشفت أن أجمل ما فيه هو سرعته فقط. إشارات إلكترونية لا تتوقف عن التذكير بمنع التدخين، وباحترام هدوء المقطورات، بينما رائحة السجائر تسبق التنبيهات، ومكالمات تُبث بأعلى صوت، وكأن الركاب جميعًا مجبرون على متابعة تفاصيل حياة لا تعنيهم.

لم تكن المشكلة في القطار، بل في بعض من يستقلونه. فقد وفر كل مقومات الحداثة من سرعة وراحة وتنظيم، غير أن بعض السلوكيات، كالتدخين داخل المقطورات رغم المنع، أو رفع أصوات المكالمات، أو إزعاج الركاب دون اكتراث بحقهم في الهدوء، تكشف أن جودة المرفق العمومي لا تكفي وحدها لصناعة تجربة حضارية. فالمسألة لا تتعلق بوسيلة النقل، بل بطريقة استعمالها، ولا بحداثة التجهيزات، بل بمدى احترام القواعد التي تضمن حق الجميع في الانتفاع بها.

هذه الصورة اليومية ليست استثناءً، بل تعكس سؤالًا أعمق حول السلوك المدني في مجتمعنا. فنحن نخطئ حين نختزل الأزمة في أفراد “سيئي التربية” أو في فئات اجتماعية بعينها، لأن الإشكال يمس جوهر علاقتنا بـ”المشترك”؛ ذلك الفضاء الذي يجمعنا جميعًا، من شارع ورصيف وحديقة، إلى إدارة ومستشفى ووسيلة نقل، حيث يفترض أن تحكمه قواعد بسيطة لكنها حاسمة: الاحترام المتبادل، وتحمل المسؤولية، والوعي بأن حق الفرد ينتهي حيث يبدأ حق غيره.

وحين تتحول مخالفات تبدو بسيطة، كركن سيارة فوق الرصيف، أو رمي النفايات في الشارع، أو تجاوز صف الانتظار، إلى ممارسات يومية مألوفة، فإننا لا نكون أمام تصرفات فردية معزولة، بل أمام نمط سلوكي يعيد إنتاج نفسه، ويبعث برسالة ضمنية مفادها أن المصلحة الشخصية يمكن أن تتقدم على القاعدة المشتركة. ومع الزمن، تتحول هذه الممارسات إلى ثقافة صامتة تُضعف أسس العيش المشترك، وتجعل احترام القانون يبدو استثناءً بدل أن يكون الأصل.

وهذا ما يبرز بوضوح في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي حول السلوك المدني في الفضاءات العمومية، إذ يؤكد أن جوهر الإشكال لا يكمن في غياب النصوص القانونية، بل في الفجوة بين ما نعلنه من قيم وما نمارسه في الواقع. فنحن نطالب بالنظام، لكننا نبرر لأنفسنا الاستثناء، ونستنكر الفوضى، ثم نشارك -بوعي أو بدونه- في إنتاجها، وننتظر من الدولة أن تحمي “المشترك”، بينما نتعامل معه أحيانًا وكأنه لا يعنينا.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا تظهر بعض السلوكيات المنحرفة؟ بل لماذا لا يزال احترام القاعدة لا يحظى دائمًا بالشرعية الاجتماعية نفسها التي تحظى بها المخالفة الصغيرة؟ فالمجتمعات التي نجحت في ترسيخ السلوك المدني لم تعتمد على الصرامة القانونية وحدها، بل جعلت احترام المشترك عادة يومية وقناعة راسخة، قبل أن يكون خوفًا من العقوبة.

ومن هذا المنظور، يؤكد المجلس أن معالجة هذا الاختلال لا يمكن أن تُختزل في المقاربة الزجرية، رغم أهميتها، بل تستدعي رؤية شمولية تبدأ من الأسرة والمدرسة، وتمر عبر الإعلام والإدارة العمومية، وتصل إلى هندسة الفضاءات العامة نفسها، حتى يصبح احترام القانون والفضاء المشترك جزءًا من الممارسة اليومية. فالسلوك المدني يُبنى كما تُبنى المدن: بالتدرج، وبترسيخ القيم في الوعي قبل فرضها بالنصوص.

إن الاستثمار في الطرق والقطارات والمحطات ضرورة لا غنى عنها، لكنه لن يحقق غايته كاملة إذا لم يواكبه استثمار موازٍ في بناء الإنسان. فالحضارة ليست مجرد وسائل حديثة نقتنيها، بل أخلاق نمارسها، وثقافة تحكم علاقتنا بالآخر وبالفضاء المشترك. وما قيمة أن نسبق العالم في البنيات التحتية، إذا كنا لا نزال نتأخر عنه في احترام أبسط قواعد العيش المشترك؟ فالتمدن ليس أن نمتلك وسائل الحضارة، بل أن نمتلك أخلاقها.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

تعليق واحد

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button