‏آخر المستجدات‏أخبار وطنية

منتدى مراكش البرلماني: إفريقيا مطالبة بالانتقال من اقتصاد المواد الخام إلى هندسة مشتركة للإنتاج والسيادة الاقتصادية

كش بريس/خاص

في عالم يعيد رسم خرائطه الاقتصادية تحت ضغط الأزمات الجيوسياسية وتفكك سلاسل الإمداد التقليدية، تجد إفريقيا نفسها أمام لحظة مفصلية قد تحدد موقعها في الاقتصاد العالمي لعقود مقبلة. فالقارة التي ظلت طويلاً مصدراً للمواد الأولية والأسواق الاستهلاكية، أصبحت مطالبة اليوم بإعادة صياغة نموذجها التنموي على أسس جديدة قوامها التصنيع والإنتاج المشترك والتكامل الاقتصادي، بدل الارتهان لمنطق التصدير الخام والتبعية الخارجية.

ومن هذا المنطلق، شكلت أشغال منتدى مراكش البرلماني منصة للنقاش حول آفاق منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية ودورها في بناء فضاء اقتصادي أورو-إفريقي أكثر اندماجاً وقدرة على مواجهة التقلبات الدولية، حيث أجمع مسؤولون وبرلمانيون وخبراء دوليون على أن القارة تمتلك من المؤهلات والموارد ما يؤهلها للانتقال إلى مرحلة جديدة من التنمية، شريطة تسريع الإصلاحات الهيكلية وتطوير البنيات التحتية وتعزيز التكامل الإقليمي.

وخلال الجلسة المخصصة لموضوع “منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية وربط سلاسل القيمة الأورو-إفريقية: نحو فضاء مندمج للإنتاج المشترك والاستثمار والصمود الاقتصادي”، أكد المتدخلون أن الرهان لم يعد يقتصر على رفع حجم المبادلات التجارية، بل أصبح مرتبطاً بخلق منظومات إنتاجية متكاملة قادرة على خلق الثروة وفرص الشغل وتحويل الإمكانات الطبيعية الهائلة للقارة إلى قيمة مضافة محلية.

وفي هذا السياق، اعتبر جوليو سنتيميرو أن مفهوم التجارة الحرة شهد تحولات عميقة خلال السنوات الأخيرة، ولم يعد يقتصر على إزالة الرسوم الجمركية والعوائق التجارية، بل أصبح يرتبط ببناء فضاءات اقتصادية متكاملة تتيح حرية تنقل السلع والخدمات والاستثمارات والمعرفة والتكنولوجيا.

وأوضح أن التحدي الحقيقي يكمن في الانتقال من منطق التبادل التجاري التقليدي إلى بناء سلاسل قيمة مشتركة تسمح بتقاسم الإنتاج وتعزيز القدرة التنافسية والمرونة الاقتصادية، مبرزاً أن إفريقيا والاتحاد الأوروبي يشكلان معاً أحد أكبر الأقطاب الاقتصادية في العالم، غير أن الإمكانات المتاحة لا تزال بعيدة عن مستوى الاستغلال الأمثل.

وأشار إلى أن التجارة البينية الإفريقية لا تتجاوز 14 في المائة من إجمالي المبادلات التجارية للقارة، مقارنة بما يفوق 57 في المائة داخل الفضاء الأوروبي، وهو ما يعكس حجم الهوة التي ما تزال تفصل إفريقيا عن تحقيق اندماج اقتصادي فعلي. ودعا في هذا الإطار إلى إعطاء الأولوية للاستثمار في قطاعات النقل والطاقة والخدمات اللوجستية، مع العمل على توحيد القواعد التنظيمية وتعزيز مناخ الثقة والاستقرار الضروري لجذب الاستثمارات.

من جانبه، أكد ممادو ساتيغي دياكيتي أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل فرصة استراتيجية لإرساء شراكة جديدة بين إفريقيا وأوروبا قائمة على التصنيع والإنتاج المشترك بدل الاقتصار على العلاقات التجارية التقليدية.

وشدد المسؤول المالي على أن نجاح هذا المشروع يمر عبر تثمين الموارد الطبيعية داخل القارة وتحويلها محلياً قبل تصديرها، بما يضمن خلق قيمة مضافة وفرص شغل داخل الاقتصادات الإفريقية، عوض استمرار نزيف الثروات نحو الأسواق الخارجية في شكل مواد خام.

كما نبه إلى أن ضعف البنيات التحتية وشبكات النقل والربط اللوجستي بين الدول الإفريقية ما يزال يشكل أحد أبرز معوقات التكامل الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التعاون العابر للحدود بين الجماعات الترابية وتكثيف الاستثمارات المشتركة لتقليص الفوارق التنموية بين مناطق القارة.

بدوره، اعتبر بانا إبراهيم أن الأزمات الدولية المتلاحقة، من جائحة كورونا إلى الاضطرابات الجيوسياسية العالمية، كشفت هشاشة النماذج الاقتصادية القائمة على التبعية للخارج، وأبرزت الحاجة الملحة إلى بناء اقتصادات إفريقية أكثر استقلالية وقدرة على الصمود.

وأكد أن منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل أداة تاريخية لإحداث تحول هيكلي عميق داخل القارة، غير أن نجاحها يبقى رهيناً بتوفير استثمارات ضخمة في مجالات الطاقة والبنية التحتية والتكوين والتمويل. وأضاف أن بلاده تعمل على تحويل ثرواتها من النفط واليورانيوم والذهب إلى مشاريع صناعية منتجة وقادرة على خلق فرص عمل وتعزيز السيادة الاقتصادية.

أما شريف الجبالي فاعتبر أن اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية تمثل أكبر مشروع اقتصادي وتنموي عرفته القارة منذ عقود، بالنظر إلى أنها تشمل 54 دولة وأكثر من 1.6 مليار نسمة.

غير أنه أشار إلى أن التطبيق العملي للاتفاقية ما يزال يصطدم بجملة من التحديات المرتبطة بضعف البنية التحتية وتباين الأنظمة الجمركية وغياب أنظمة دفع إفريقية فعالة، فضلاً عن التفاوت الكبير في القدرات الصناعية بين الدول الأعضاء. ودعا إلى إجراء تقييم شامل لمسار تنفيذ الاتفاقية منذ دخولها حيز التطبيق وإشراك الفاعلين الاقتصاديين والخبراء في بلورة حلول عملية لتجاوز العراقيل القائمة.

من جهته، أبرز بريت راينر أن التحولات العميقة التي تعرفها سلاسل الإمداد العالمية تمنح بلدان شمال إفريقيا فرصة استراتيجية لتصبح جسراً اقتصادياً يربط أوروبا بإفريقيا جنوب الصحراء، خاصة في القطاعات الصناعية والطاقية والخدماتية.

وأوضح أن اقتصادات المنطقة ما تزال تعتمد بشكل كبير على تصدير المواد الأولية، في حين يظل حضورها داخل سلاسل القيمة العالمية محدوداً مقارنة بمناطق أخرى من العالم، مشيراً إلى أن إزالة الحواجز الجمركية وغير الجمركية وتحسين الخدمات اللوجستية وتبسيط المساطر الإدارية يمكن أن يرفع مستوى اندماج المنطقة في الاقتصاد العالمي بشكل ملموس.

وأضاف أن تعزيز هذا الاندماج من شأنه أن ينعكس إيجاباً على معدلات النمو والاستثمار والتشغيل، مبرزاً أن الدراسات الاقتصادية تشير إلى إمكانية تحقيق مكاسب مهمة على مستوى الناتج الداخلي الخام إذا ما تم تسريع وتيرة الإصلاحات الاقتصادية والهيكلية المطلوبة.

وأجمعت مختلف المداخلات على أن إفريقيا تقف اليوم أمام مفترق طرق تاريخي: إما الاستمرار في موقع المورد التقليدي للمواد الخام ضمن الاقتصاد العالمي، أو الانتقال إلى مرحلة جديدة تؤسس لاقتصاد إنتاجي متكامل قائم على التصنيع والابتكار والتكامل الإقليمي. وبين هذين الخيارين، تبدو منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية أكثر من مجرد اتفاقية تجارية؛ إنها مشروع حضاري واستراتيجي لإعادة تموقع القارة داخل النظام الاقتصادي الدولي، وتحويل ثرواتها الطبيعية والديمغرافية إلى قوة تنموية قادرة على صناعة المستقبل بدل الاكتفاء باستهلاكه.

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button