‏آخر المستجداتلحظة تفكير

ذ بشرى العاصمي*: مشروع قانون المحاماة.. هل يصمد أمام اختبار الدستور؟

ـ وجهــــــــــــــة نظــــر حول دستورية مشروع القانون 66.23 ـ

في سياق الجدل القانوني ، والنقاش الواسع، الذي أثاره مشروع قانون المحاماة رقم 66.23 بالصيغة التي أحيل بها على المحكمة الدستورية يجب التوقف عند الإشكاليات الدستورية الجوهرية التي يقرها النص انطلاقا من كونه يمس بالأساس كل الثوابت والمبادئ المقررة وطنيا ودوليا والتي بنيت عليها مهنة المحاماة.

وأخذا بالاعتبار لما صاحب هذا المشروع من إحتجاجات عارمة لهيئات المحامين السبعة عشر ، التي جسدت إرادة جموع المحامين والمحاميات المصرة على سحب المشروع، فإن ذلك يستدعى قراءة متأنية في أبعاده الدستورية بعيدا عن التجزيء بالنظـر لبعـض مواده والتجاوز عن المبادئ العامة التي تتنافى مع روح الدستور ومبادئه المؤسِّسة، وأولها وأهمها مبدأ التشاركية الذي جعله الدستور ركيزة أساسية للنظام السياسي العام حيث نص الفصل الأول صراحة علـى أن النظام الدستوري يقوم على الديمقراطية المواطنة والتشاركية، كما نص الفصل 12 الفقرة 3 على أنه” تساهم الجمعيات والمنظمات في إطار الديمقراطية التشاركية في إعداد قرارات ومشاريع لدى المؤسسات المنتخبة والسلطات العمومية وكذا في تفعيلها وتقييمها، وعلى هذه المؤسسات والسلطات تنظيم هذه المشاركة طبق ضوابط وكيفيات يحددها القانون”.
كما ينص الفصل 13 “على أنه تعمل السلطـات العمومية على إحداث هيئات للتشاور ، قصد إشراك مختلف الفاعلين الاجتماعيين في إعداد السياسات العمومية وتفعيلها وتنفيذها وتقييمها”.

حيث إن هذه الفصول مجتمعة تكرس مبدأ التشاركية وتحـث عليــــــه عند إعداد كل القرارات والمشاريع.

حيث إن إغفال هذا المبدأ الدستوري عند إعداد القانون الذي ينظم مهنة بأهمية مهنة المحاماة التي تمثل حلقة الوصل بين المواطن والمؤسسة القضائية يعد عيبا دستوريا شكليا وجوهريا يجعل هذا المشروع بكامله مناقضا للفلسفة العامة التي قام عليها دستور 2011 والذي أسس لمقاربة تشاركية حقيقية وديمقراطية وهو ما يستدعى سحبه .بكامله لا مناقشة دستورية بعــــض مواده فقط ، رغم كون أغلبها منافية لهذه الفلسفة ، مثل المادة 50 التي تمنع المحامين من التعبير عن الرأي والاحتجاج والتوقف عن تقديم الخدمات في مخالفة صريحة للفصل 25 من الدستور الذي يضمن حرية الرأي والتعبير بكل أشكالها، و الفصل 29 الذي يضمن حرية التجمهر والتظاهر السلمي وحق الإضراب.

كما أن الحد من استقلالية المحاماة وحصانة الدفاع والتدخل في التنظيم الذاتي للهيئات كل ذلك يخرق المبدأ المنصوص عليه في الفصل 120 الذي يضمن الحق في الدفاع الحر أمام المحاكم.
وتتسم المواد 26 و 35 و 36 و 39 من المشروع بعدم الدستورية أيضا لتنافيها وخرقها لمبدأ تكافؤ الفرص ومبدأ المساواة بين المواطنين.

ومع أن هذا المشروع ينص في مادته الأولى على أن المحاماة مهنة حرة مستقلة فان تقييد هذه الحرية والاستقلالية في نصوصه التفصيلية يعد تناقضا يفقده المصداقية ويجعله مشوبا بإهدار الحقوق الأساسية والثوابت التي تقوم عليها مهنة المحاماة.

إن التدخل في التنظيم الذاتي لهيئات المحامين والنيل من حصانة المحامي، يحمل في طياته تهديدا صريحا لاستقلال القضاء باعتبار المحاماة جزء من أسرة القضاء.

فالمحاماة ليست مجرد مهنة حرة، بل هي ركيزة أساسية في دولة الحق والقانون، وأي تشريع يحاول النيل من استقلاليتها أو وضعها تحت الوصاية الإدارية يشكل خرقا غير مباشر لمبدأ الفصل بين السلـط وخرقا للفصل الأول والفصل 107 من الدستور الذين يقرران فصلها عن باقي السلطتين التنفيذية والتشريعية باعتبار المحاماة جـزء من أسرة القضاء طبقا للمادة الأولى من المشروع نفسه.

لذلك، وبناء على ما تقدم وبعيدا عن الاجتزاء أو تصويـب بعض المواد فإن مشروع القانون 66.23 في صيغته الحالية يشوبه عـوار دستوري شامل يطال فلسفته العامة قبل تفاصيله الفنيـة وينافي الفلسفة العامة للدستور ولأهم المبادئ الأساسية التي يقوم عليها وهو ما يقتضي سحبه بكامله لطرحه على طاولة الحوار وصولا لصيغة توافقية تثبيتا لمبدأ التشاركية التي تخلفت في المشروع الحالي وهو المطلب الذي لن يتخلى المحامون عن التشبت به.

*محامية بهيئة مراكش

‏إظهار المزيد

‏مقالات ذات صلة

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Are you human? Please solve:Captcha


Back to top button